Dr.Eman Elabed
اهلا وسهلا زائرنا الكريم
كم يسعدنا ويشرفنا تواجدك معنا
أخ /ت عزيز /ه علينا نتعلم منكم
نستفيد ونفيد معا من خلال ابدعاتكم
نرتقي معا بكل معلومه صادقه ونافعه
في الدين والدنيا يسعدنا جدا مشاركتم معنا
تحت شعارنا الاحترام المتبادل وحق كل الاعضاء
في حريه التعبير دون المساس بمشاعر الاخرين
ومنتداكم لا يقبل بالخوض في السياسه او الاساءه
واحترام عقيده الاخر

Dr.Eman Elabed


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

ديسمبر 2019
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
      1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031     

اليومية اليومية


العراق هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. .

اذهب الى الأسفل

العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . Empty العراق هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. .

مُساهمة من طرف محمد العابد في الثلاثاء نوفمبر 19, 2019 7:05 am

العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ
العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_14182iniq1

العراق  هبة النهرين
 حتمية الجغرافيا والتاريخ. .

 يزوبوتاميا ـ جنيف
 خارطة اول دولة عراقية موحدة في زمن الملك العراقي الشهير
 سرجون الاكدي حوالي 2300 ق. م

الغالبية الساحقة من بلدان المعمورة، وخصوصا البلدان القديمة العريقة، مثل بلادنا العراق، قد رسمت حدودها طبيعة التضاريس الجغرافية التي تتكون منها.  فالعراق ليس بالصدفة اطلق عليه (بلاد النهرين)، لان وجوده ككيان تشكل منذ الازل حول النهرين الخالدين(دجلة والفرات).  وميزة العراق انه وادي خصيب محاط من كل ناحية بهضاب وجبال شبه وعرة: من الشرق جبال زاغاروس وهضبة ايران الممتدة حتى الهند والصين. .  ومن الشمال جبال طوروس وهضاب القفقاس وهضبة الاناضول الممتدة حتى روسيا.  ومن الغرب هضبة الشام الممتدة حتى جبال سوريا ولبنان على البحر المتوسط.  ومن الجنوب هضبة الجزيرة العربية الممتدة حتى البحر الاحمر واليمن.  اذن العراق، مثل الكثير من البلدان، لم يختر حدوده ابدا، بل الطبيعة هي التي اختارتها وحددتها بتضاريس طبيعية فاصلة الى درجة كبيرة، وهي الهضاب والجبال.  ومن ينظر الى الخرائط التاريخية للعراق والى حقيقة الحدود الطبيعية ل(وادي النهرين) يجد ان الكثير من اراضيه وبلداته الحدودية قد انفصلت عنه وتبعت البلدان المحيطة به، مثل عبادان والحويزة
(كانت تابعة لميسان والبصرة) وحلوان التي يقطنها الفيلية العراقيون (كانت تابعة لواسط) قد تبعت ايران في القرون الاخيرة.  ومنطقة (الجزيرة: دير الزور والحسكة) قد تبعت سوريا، وجزيرة بوبيان واجزاء من الكويت، بالاضافة الى بعض المناطق الحدودية مع السعودية، مثل (التيماء) التي كانت العاصمة الدينية لآخر ملك بابلي(نبينود). .

والملاحظ ان بلادنا، ظلت دائما موحدة سياسيا ودينيا ولغويا، حتى في فترات السيطرة الاجنبية.  وهذا التوحد، لم يكن نتيجة ارادة ما من قبل الناس، بل هي خصوصا ارادة الطبيعة.  لقد ظل موحدا حضاريا رغم كل الهجرات السلمية والحربية للاقوام القادمة من كل انحاء الارض التي استوطنته، لأن طبيعة دجلة والفرات حتمت الانصهار بين الناس وتوحدهم الاقوامي والروحي والثقافي.  ثم ان ضرورات التحكم بالري في النهرين من اجل سقي المزروعات وتجنب الفيضانات، حتمت ادارة موحدة، أي وجود دولة واحدة تقوده وتشرف على نظام ريه وادارة نهريه.
العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_14180hpoh1
التقسيمات الادارية بعد الاسلام
 
بعد الفتح الأسلامي للعراق فقد انتهج المسلمون في حكمهم منهج الفرس.  ابقوا تقسيمات العراق الأداريه كما كانت.  فقد كانت مملكة العراق وبلاد الجزيره ايام الحكم العباسي الى كور والكور الى "طساسيج "وهو مايقابل الناحيه الآن وكان لكل كوره قصبه "مركز" ومدائن ولكل مدينة قرى مربوطة بها ربطا اداريا.
بقيت ديار الجزيره والعراق بعد فتح هولاكو في اضطراب واختلال.  سنة 941 هـ 1534 م احتل السلطان سليمان القانوني وتغلب على الجيش الصفوي فأحدث التقسيمات التالية :قسم العراق 17 سنجقا(محافظة) وقطع منها ستة سناجق لقواده واصبح العراق كله (اياله ـ ولاية) عاصمتها (بغداد) تتبعها الموصل والبصره، ويحكمها وال يعينه السلطان.
في اوائل القرن الثامن عشر انفصلت مقاطعة (الموصل) عن (بغداد) وخضعت زمنا لأيالة ديار بكر وانفصلت بعدها (شهر زور) وكان مركزها (كركوك).  وقد استقلت تلك المقاطعتين مده ثم اعيدتا الى حكم بغداد بعد زمن.  اما في زمن الوالي العثماني (مدحت باشا) انقسمت ولاية العراق التي كانت تتألف من مقاطعتي بغداد والبصره والموصل، الى متصرفيات(سناجق) والمتصرفيات الى اقضيه والأقضيه الى نواحي يحكم السنجق (المتصرفيه)المتصرف ويحكم القضاء قائمقام والناحية مدير. والمراد بالسنجق وهي كلمه تركيه معناها (علم او لواء).  وفي سنة 1879 م اصبحت الموصل مركز ولايه بعد ان كانت متصرفيه ويتبع لها مركز الموصل وكركوك والسليمانيه.  وفي سنة 1880م
قسمت ولاية بغداد الى سبعة سناجق وهي : بغداد- الحلة-كربلاء-العماره-المنتفق-البصره-نجد.
وفي سنة 1884م حول سنجق البصره الى ولايه.  وفي سنة 1900م تميزت ولاية البصره عن ولاية بغداد، وقسمت اربعة سناجق وهي البصرهالعماره-المنتفق (الناصرية)- نجد.
اما التقسيمات الأداريه قبل الحرب العالميه الأولى
فقد قسم العراق الى ثلاث ولايات تابعة الى العاصمة (بغداد)، وهي:
ولاية بغداد- ولاية البصره – ولاية الموصل
ـ ولاية بغداد ويتبعها متصرفية بغداد –الديوانية-كربلاء-
ـ ولاية الموصل ويتبعها الموصلشهرزور-السليمانية
 ـ ولاية البصره ويتبعها البصره –العماره-المنتفق
 تقسيمات العراق الأدارية في العهد الملكي
 اصبح العراق في ذلك العهد يتألف من اربعة عشر لواء.  ويتألف كل لواء من مركز ومن بضعة اقضية وعدة نواح ومن قرى عديدة.  يتولى ادارة اللواء المتصرف والقضاء القائمقام والناحية المدير، اما القرى فلها مختار يتولى شؤون ادارتها ويرتبط مباشرة بمدير الناحية اما المقر الاداري للألوية(المتصرفيات)فهي (العاصمة بغداد) ومراكز الوزارات ومجلس الأمة سابقا والمديريات العامة.  وكان العدد 14 لواء 66 قضاء 174 ناحية 9918 قرية.  وقد صدر في ذلك الوقت اول قانون لأدارة الألوية في سنة 1927 وكانت اكثر مواده مستقاة من قانون الولايات العثمانية ثم شرع قانون ادارة الألويه رقم 16 لسنة 1945 الذي عدل عدة مرات ولأول مره شكل في كل لواء مجلسان هما مجلس الأداره ومجلس اللواء العام ويقوم الأول بأعمال المزايدات والمناقصات وما أشبهها ويجتمع مره فيكل عام لمناقشة ماتم تحقيقه ووضع الخطة للسنة المقبله، اما المجلس الثاني فليس له اي دور ولم تتحقق اهدافه.
 
 العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_14189c9jm2
التقسيمات الأداريه في العهد الجمهوري
 في هذا العهد بقيت التقسيمات الأدارية كما هي عليه سابقا وقد صدر تعديلا لقانون ادارة الألوية في سنة 1959 م، وبمقتضاه انشأت الأدارات المحلية في جميع الألوية ولها مجالس مستقله وميزانية لكي تكون نموذج للأداره اللا مركزية.  وكان الهدف رفع مستوى الألويه، لكن هذا القانون لم يجد شيئا من التطبيق سوى الشكل فقط. 
عند استلام السلطة من قبل حزب البعث عام 1968 م شرع قانون المحافظات رقم159 لسنة 1969 م الذي نص فيه على تشكيل المجالس المحليه والبلديه واعطى بموجبه صلاحيات واسعه للمحافظين ورؤساء الوحدات الأدارية، لكن هذا القانون بقي حبرا على ورق ولم ينفذ منه شيء عدا الشكل والمسميات فقط حيث استبدلت اسماء الألويه الى محافظات، واستحدثت اربعة محافظات جديده هي محافظة المثنى عام 1970 م ومحافظة دهوك 1975م ومحافظة النجف 1976م.  كما استبدلت اسماء بعض المحافظات باسماء تأريخية مثل نينوى ومركزها الموصل والتأميم ومركزها كركوك والقادسيه ومركزها الديوانية وذ ي قار ومركزها الناصرية وبابل مركزها الحلة وواسط مركزها الكوت والأنبار ومركزها الرمادي.
 
 تاريخ تكون الاهوار في العراق
 برهان شاكر ـ بغداد

 العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418okygg3
كان هناك خطأ شائع في الاوساط العلمية والعامة، يقول بأن السهل الرس الرسوبي في جنوبي ووسط العراق كان بحرا في العصر الحجري القديم، اي قبل نصف مليون سنة، وبدأ هذا البحر بالتراجع نحو الجنوب بفعل ترسبات الطمى التي يأتي بها نهرا دجلة والفرات وروافدهماوهكذا ظهر السهل الرسوبي بوضعه الحالي، وكان اصحاب هذا الرأي يقولون بأن الاهوار في جنوبي العراق هي من بقايا البحر المزعوم.  لقد بني هذا الرأي الخاطئ على نظرية وضع اسسها في اواخر القرن التاسع عشر الاثاري المعروف "دي مورغن" الذي اشتهر بتحرياته الاثرية في مدينة "سوسة" عاصمة العيلاميين في جنوب غربي ايران.  والذي اكد نظريته ان معظم القسم الجنوبي والاوسط من العراق كان مغمورا بمياه البحر وحدد خط الساحل إبان العصر الحجري القديم، اي قبل نصف مليون سنة كما اسلفنا، بالخط المار بين هيت وسامراء نزولا الى بلد.  وقال ان المرتفعات الموجودة في هذه المناطق كانت جرفا لساحل الخليج.  وتبع مورغن برأيه ذلك معظم المؤرخين والاثاريين، ووضع خطا اخر ارتآه القائلون بهذه النظرية عندما تراجع الخليج بمرور الازمان في الخط المار بين مدينة اور والعمارة، وكان جل ما استند اليه في نظريته يدور حول تحديد بعض المدن القديمة، بافتراض بأنها كانت تقع على الساحل القديم او انها كانت تبعد عن الساحل بمسافات قليلة، وقد استنتجوا ذلك بشكل افتراضي من النصوص القديمة وخاصة اسماء الاماكن القديمة التي وردت في حملة الملك الاشوري سنحاريب على بلاد عيلام عام 696 ق. م واخبار البعثة البحرية التي قام بها نيرخس قائد اسطول الاسكندر الكبير عام 325 ق. م التي ورد فيها اسم بعض المدن مثل"كراكس" الكرخا الحالية في جنوبي ايران والتي تبعد الان عن خط الساحل مسافة 47 كيلو مترا.  حيث اشير في النص الى انها كانت تقع على الساحل ويصعب التأكد من صحة هذا النص.  وحسب اصحاب هذه النظرية فان معدل تكوين اليابسة جراء تراجع الخليج صوب الجنوب بفعل ترسبات الطمى والغرين التي يحملها الرافدان ونهر الكارون بمعدل 115 قدما في العام الواحد اي زهاء الميل ونصف الميل في القرن الواحد.  واستندوا ايضا الى النصوص المسمارية التي تؤكد بأن مدينتي اور واريدو كان لهما ميناء على البحر الموهوم، واكدوا بعد ذلك أن الاهوار هي بقايا ذلك البحر الذي كان يغمر جنوبي العراق.  الا ان هذه النظرية فندت عندما قام فريق من الجيولوجيين على رأسهم "ليزو فالكون ورايت" عام 1950 بتحريات جيولوجية واسعة في المنطقة ونشروا نتيجة تحرياتهم الحقلية في مؤلف كبير، ودللوا على ان ابحاثهم العلمية اكدت بأن حدود الساحل لم تكن في الماضي ابعد الى الشمال من وضعها الحاضر، وان حدود الساحل الموهوم الذي افترضه الآثاريون لم يكن له وجود على الاطلاق.

 الاهوار بعد تجفيفها من قبل صدام
 العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418as3504
واظهرت نتائج تحريات ذلك الفريق ان هذه المنطقة من العراق معرضة لعملية البناء الجيولوجي التكتوني التي تسبب الانخساف والانخفاض في مستوى الساحل، وان درجة الانخفاض او الانخساف تعادل عملية الملء والردم الناتجة من ترسبات الطمى والغرين التي يجلبها الرافدان في مواسم الامطار والفيضان.  ولهذا السبب ظلت الاهوار في منطقة العراق الجنوبية منذ تكوينها في القرنين السادس والسابع الميلاديين، ولو تركت عملية الترسبات وحدها لكانت كافية لردم الاهوار وتحويلها الى سهول غرينية في هذا الزمن الطويل.  ولكن هذه الترسبات تصب في حوض دائم الانخساف.  اما مسألة وجود موانئ في بعض المدن القديمة مثل اور واريدو، فقد اثبتت التقنيات وجودها وان هاتين المدينتين لم تكونا يوما ما على الساحل بل كانت الموانئ على نهر الفرات مثلما اثبتت الحفريات ذلك.  وكان الفرات يمر بمحاذاة مدينة اور وعلى مسافة قصيرة شرقي مدينة اريدو ولكن بمرور الزمن بدل مجراه حيث يمر الان بمدينة الناصرية شرقي اور بحدود عشرين كيلو مترا.
العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418zm0ne5
 الاهوار
ويبقى السؤال كيف نشأت هذه الاهوار. . . ؟
لدينا شواهد علمية اكيدة حصلنا عليها من تحرياتنا الاثرية عندما كان الهور موجودا بعافيته وبعد تجفيفه من قبل النظام البائد، بأن اجزاءً كبيرة من اهوار محافظتي الناصرية وميسان كانت ارضا يابسة تستغل بالزراعة وكان هناك بعض المستنقعات الدائمية المحصورة وخاصة في محافظة ميسان.  والدليل على ذلك هو انتشار المواقع الاثرية فيها، ففي هور الحمار الذي تقدر مساحته بمليون وثمانية واربعين الف دونم تمكنا من تثبيت 122 موقعا اثريا بين صغير وكبير وتاريخ بعض المواقع يعود الى عصر فجر السلالات السومرية اي بحدود 2800-2350 ق. م.  وتتوزع هذه المواقع على المناطق التالية، الجبايش، الاصلاح، العكيكة، السديناوية، كرمة بني سعيد وهذه المواقع اما كانت مغمورة بالهور واما يحيط بها الماء وذلك حسب ارتفاعها.

اما في محافظة ميسان فهناك 48 موقعا اثريا مكشوفا يعود تاريخ اغلبها الى العصور الفرثية والساسانية وبعضها اقدم تعود الى الالف الاول ق. م وتنتشر هذه المواقع في هور الحويزة، والوادية، والصحين، وبريدة. . الخ وهي كأخواتها في اهوار الناصرية اما كانت مغمورة في الهور واما محاطة بمائه.  وهناك تجمعات سكانية حديثة أقيمت في الهور على التلال الاثرية، حيث ترى قطع الفخار وكسر الاجر القديمة منتشرة عليها كما لاحظت ذلك شخصيا في منطقة الجبايش في عام 1970.  ويذكر العاملون في حقل النفط في الاهوار ان مكائنهم كانت اثناء عملها تستخرج كسر الفخار من اعماق مختلفة، ومن الطريف ان نذكر ورود معلومات في نص سومري يؤكد قيام السومريين بشق الجداول وكذلك استصلاح بعض الاراضي من الملوحة التي ظهرت بوادرها بحدود عام 2400 ق، م واستمرت زمنا طويلا بعد ذلك كما هو معروف في وسط العراق وجنوبيه.  كل ذلك يؤكد ان مناطق الاهوار كانت ارضا يابسة عاش عليها العراقيون وزاولوا نشاطاتهم الاقتصادية والاجتماعية وبنوا حضارتهم العتيدة كما في باقي اجزاء العراق وفي نحو 629م طغى الرافدان وروافدهما طغيانا هائلا لم يسبق له مثيل وخربت مشاريع السدود ومشاريع الري الرئيسية التي اهملت لضعف الدولة الساسانية في اواخر ايام حكمها في النهروان وسد العظيم القديم وكذلك سد ديالى القديم ومناطق اخرى.  وغير الرافدان مجريهما في مناطق عديدة في الوسط والجنوب فانقلبت مناطق اقصى الجنوب الى اهوار واسعة تمتد كالبحر وصارت تعرف هذه الاهوار حينها بالبطائح وقد وصفها المؤرخون والبلدانيون العرب وصفا مسهبا وادخلوها على خرائطهم.
 
نهايات العراق في التاريخ
رشيد الخيون ـ لندن

العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_14181l2i91
 
شعاع الحضارة العراقية في انحاء الشرق الاوسط
((حده مما يلي المغرب وأعلى دجلة من ناحية آثور وهي الموصل.  ومن جهة المشرق الجزيرة المتصلة بالبحر الفارسي المعروفة بميان" المؤرخ العراقي العباسي)) (المؤرخ العراقي العباسي، المسعودي). .
 
لتاريخ الجغرافيا أهمية في ما يتداوله العراقيون حول مستقبل وطنهم.  فبعد زوال المانع يتكلم الناس بما يشاءون، لا حدود لحريتهم في الكلام، ولا حدود لأحلامهم في عراق واحد أم متعدد.  لكن ما قرأته وسمعته أن أهل الجدل، من الوحدويين والإنفصاليين (بعيداً عن الوحدة العربية وإنفصالها) لم يحسبوا للجغرافيا حساباً، ولم يراجعوا تاريخها ليطمأنوا إلى عراق واحد، متنوع محصور بين الجبل شمالاً والبحر جنوباً.  ولا ضير في فدرالية أو لا مركزية.  لكنه لم يكن يوماً ثلاث ولايات منفصلة، شَكل منها الإنكليز والملك فيصل العراق.
بلاد تحتفظ كتب التاريخ والتراث الإسلامية بنهايات جغرافية لها، تكاد تكون ثابتة، إذا إستثنينا تحرك كثبان الرمال بين جهة وأخرى، حدود، لم تشطبها أيدي النساخين من ذاكرة التاريخ، مثلما يحاول اليوم البعض الاجتهاد لإنكار مصطلح عراقي، وإلغاء توسط بغداد البلاد، متعالين على حقيقة لم يهملها مؤرخ ولاجغرافي، وهي أنها منذ تمصيرها (145هـ) ولحد الآن صرة العراق، وواليها في العهد العثماني كان يعرف بوزير العراق، وأن الموصل ليست تركية، ولا البصرة كانت هندية، وإن عُرف بحرها ببحر الهند فهو ارتباط
 بحركة بمائها المفتوح إلى الهند.

لا ندري، مَنْ القائل أقيس بن الملوح أم غيره؟: "يقولون ليلى في العراق مريضةٌ".  فقيس كان نجدي الموطن، فكيف تكون ابنة عمه عراقية؟ قد يتبدد هذا الاستغراب بعد مطالعة الدراسات التي تناولت أُصول ليلى، وانتشارها في الشعر العربي، فتظهر لنا سماء العراق مسرحاً لعشق الآلهة، ثم نزولها على الأرض لتخلق ليلى المشهورة بين ملاحم العشق العربي.  نجد لها في كتب الصابئة المندائيين مثل: "الكنزا ربا" و"دراشة اد يهيا"(مواعظ وتعاليم يحيى بن زكريا) خبراً بين شياطين عالم الظلام.  فهي (الليلياثة) أو (اليليثا)، وكيف يتم الخلاص منها مع نهاية هذا العالم.  فهي وإن كانت زوجة هيبل زيوا (جبرائيل) إلا أنها لا تصعد معه إلى عالم النور، وهناك سيتم تعميده من جديد، وربما تُذكر علاقتها بهيبل زيوا بعلاقة إنانا بدموزي أو عشتار بتموز.
 
العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418vaatp2
 
ضريح زمرد خاتون. ان هذا النمط من المنائر هو نمط عراقي اصيل ومنتشر في انحاء الوطن، وهو ابداع عراقي عباسي مستوحى من نمط الزقورات.. وعلى غراره ايضا ملوية سامراء..
 
جاء في "دراشة اد يهيا": "أذهب إلى الليلياثة وعشترات، ومَنْ معهما، أولئك الذين اختبئوا في الجداول والساحات المغطاة بالقار"(   ووردت في "الكنزاربا" باسم ليليثا ضمن العفاريت والكائنات الشيطانية، التي سيبتلعها الكائن الرهيب، لينتهي أمر الدنيا في فمه الشاسع.  يفتحه ليبتلع "الكواكب السبعة مع ملوكها الأثني عشر، ومسيريها الخمسة.  يبتلع الهمورثا، والملائكة، وأرواح المذبح، والعفاريت، والديفي، والليليثا، وجميع الأرواح التي وجدت مذنبة"  ولأجل ليلى أبتهل قيس:
شفى اللهُ مَرْضَ بالعراق فإنَّني
على كُل مَرْضَ بالعراق شفيق
وعلى الرغم من حضور ليلى منذ القِدم بالعراق، إلا أن الشاعر علي الشرقي يعترف بوجود عشاقها المجانين فقط، قال:
لم أجد في العراق ليلى ولكن
كـل آنٍ أمـر في مجنـون
لعلَّ الشرقي على حق، وفقاً لما حصل بعراقه، ووفقاً بما يجوز للشاعر مالا يجوز لغيره، وإن كان الأمر يتعلق بتغيير الجغرافيا، وتكذيب التاريخ! السؤال، هل كان عراق ليلى السومرية لا عين له في الوجود؟ لا صورة، لا نهايات؟ هناك مَنْ يرى ذلك.  لكن الأحداث التي سبقت عراق 1921، البعيدة منها والقريبة، تؤكد أن البريطانيين والملك فيصل الأول لم يخرجا كيان العراق الجغرافي والسياسي من العماء.  نعم، هناك كيان عراقي معروف الحدود، لا يهم أن يكون منطقة أو إقليماً أو ولاية، فكل دول العالم كانت تحكمها إمبراطوريات عظيمة، تتسع حدودها وتضيق.  فماذا كانت مصر قبل أن يستقل بها محمد علي عن الإمبراطورية العثمانية، وبلغاريا مثلاً، ماذا كانت تركيا نفسها قبل اتاتورك؟ بالتأكيد كانت ضمن كيان أكبر، يجمع مناطق وأقاليم شتى منها إقليم العراق.

 العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418666483
بالنسبة للعراق، لعل أزماته المتلاحقة والمستعصية الحل جعلت تاريخه بل وجوده مادة للجدل.  فهناك مَنْ يتحدث عن تقسيمه، أو يهمس بذلك، لأسباب تتعلق بأثنياته وكياناته الدينية والمذهبية، والحجة المعلنة اليوم هي السيطرة على الأمن المنفلت من قبل سقوط نظام البعث، وتفاقم بعد حل الأجهزة الأمنية والعسكرية غير مأسوف عليها، وأرضية مثل هذا الرأي هو حداثة وجود العراق بحدوده الحالية! إلا أن ما يشهد به التاريخ العراق كيان جغرافي وسياسي قديم، يصعب تقسيمه بقراءة خاطئة لماضيه، فوحدته كما نعلم لم تكن هي البلاء يوماً من الأيام.  تكمن قناعاتي، ولعلها عاطفتي، وراء التفتيش عن دلائل تاريخية لوجود قِدم مكاني الأول، ولم يدر بخلدي، يوماً من الأيام، أن هناك حاجة لتأكيد هذا الوجود والبحث عن مبررات الكتابة عنه، فحلمي أن يشفع تاريخ العراق السحيق لتجاوز خرابه.  هذا من جانب، ومن جانب آخر أرى العراق كياناً ناقصاً دون تكويناته القومية والدينية والمذهبية كافة، بما فيها يهوده وكاكائييه وبهائييه.  لذا حاولت، قدر المستطاع، أن أجمع من الدلائل ما يقنعني أنا قبل غيري بقِدم وحدة الجغرافيا.  بعدها يتأكد وجود هوية أو مواطنة عراقية محصورة بين نهايات معلومة منذ القِدم.
قادني الشك إلى القول: من أين جاء البريطانيون وفيصل الأول بهذا الكيان الممتد من الموصل حتى عبادان؟ كيف هبط على سكان ذلك المكان اسم العراق حتى تسمى أهله منذ العام 1921 بالعراقيين؟ ماذا يعني بلاد ما بين النهرين، أو بلاد بابل أو آشور إلخ؟ هل كان الأجداد لا يعرفون غير حدود محلاتهم وقراهم وعشائرهم؟ لا أنكر أن أبناء العشائر ومنها عشيرتي، بني أسد في أهوار العراق، قاتلوا في سبيل حدود أراضيهم، ومازلت أحفظ أهزوجة تقول:"الحد يجالع (يجود بروحه) وأحنه نموت عليه    ذلك يعني علاقة الفلاح بأرضه، مسكناً وحقلاً، ولا يعني أنها دولته، كيانه الأكبر، ولا يعني أيضاً أن الهازج لم يعرف نفسه أنه من أهل العراق.

لا شك أن هناك اختلافاً بين العراق الدولة والعراق المنطقة أو الأقليم، فما بين الحالتين سيادة الدولة المستقلة، وخضوع المنطقة أو الإقليم إلى دولة محتلة.  بهذا المعنى، أرى أن هنري فوستر لم يكن موفقاً في ما ذهب إليه.  قال: "لقد برزت كلمة العراق التي طبقت حديثاً في الاستعمال من لب التشكيل والتأليف الذي أعقب الحرب، فهي ليست مجرد دليل، بل جزء ومحتوى لعصر جديد، هو عصر تكوين دولة بين شعوب متأخرة، وفي جو جديد من الأممية كذلك لم يوفق عباس الكليدار بالقول في كتابه Iraq;The Search for Stability:"دولة العراق لم تكن كياناً سياسياً قبل 1918".  بل كان العراق كياناً سياسياً محتلاً، وبعد انفصاله عن الدولة العثمانية أصبح كياناً سياسياً مستقلاً.  كان بحث فوستر ومن بعده الكليدار، الصادر في تموز 1975، فاتحة لآراء أخرى أنكرت وجود كيان ومجتمع عراقيين، قبل 1921.  استل غسان العطية ذلك ليقول: "إن العراق بحدوده الحديثة لم يكن قط وحدة سياسية قبل القرن العشرين   وهذا القول لا يحتاج إلى جهود اكتشاف فهو معروف، ولم يخص العراق فقط كما أسلفنا بل الغالب من بلدان العالم كان تحت سيطرة أمبراطوريات عملاقة.  لكننا نختلف مع العطية في القول "إن مصطلح عراقي استعمل في أوائل القرن العشرين  مثلما اختلفنا مع فوستر والكليدار وكل مَنْ يذهب ذلك المذهب.
في استعمال مصطلح عراقي، توقفت عند رواية وردت عن شيخ المعتزلة أبي الهذيل العلاف (ت230هـ) وهو يُعرف نفسه لمتكلم من أهل الرقة بالشام، يدعى مجنون الدير، بعد أن سأله استعداداً لمناظرة بينهما: "ممن يكون الرجل؟ قلتُ: من أهل العراق.  قال: نِعمَ أهل الظرف والأدب.  قال: من أيهم أنت؟ قلتُ من أهل البصرة.  قال: أهل التجارب والعلم.  قال: فمن أيهم أنت؟ قلتُ: أبو الهذيل العلاف  ذكر المعنى نفسه ابن أبي الحديد (ت656هـ) لقصة أخرى بالقول: "مَنْ أنت؟ قال: عراقي   قبل أكثر من ألف عام عَرف العلاف نفسه، وهو خارج حدود العراق، أنه عراقي، ولم يقل أنه بصري، ولا عبدي (نسبة إلى موالاته لقبيلته عبد القيس)، لكن في داخل العراق ينتسب العلاف إلى مدينته أو قبيلته، وقبل أكثر من سبعمائة وخمسين عاماً ذكر شخص نفسه بالعراقي.

وأشار الحديث النبوي إلى العراق ذماً ومدحاً، منها ما رواه معاذ بن جبل:"أن إبراهيم عليه السلام همَّ أن يدعو عليهم (العراقيين)، فأوحى الله تعالى إليه: أن لا تفعل فأني جعلتُ خزائن علمي فيهم، وأسكنت الرحمة قلوبهم   وعدَّ أحد المؤرخين، من غير العراقيين، الحديث الآتي:"قال العلم: أريد العراق.  قال العقل: وأنا معك  "من أمثال الناس السائرة".  ومن الغريب أن مؤرخاً عراقياً معاصراً، مثل بهجة الأثري، عدَّ أحاديث مدح العراق من الأحاديث الملفقة، بينما عدَّ أحاديث الذم من الأحاديث الموثقة، التي أضافها إلى حاشية كتاب "مناقب بغداد" مع عبارة: "لم يثبت شيء ما في مدح العراق عن النبي صلى الله عليه وسلم قط، بل قد ذمه في أحاديث كثيرة ثبتت عنه".  منها: "أن بها (أرض العراق) قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وأن الجفاء بالمشرق"، و"قال الخصب: أنا أنزل العراق، فقال النفاق وأنا معك  والحديث الأخير من مروايات الحجاج بن يوسف الثقفي، فتأمل!
 
العراق الآرامي قبل الاسلام
 
ويؤكد ما ورد في نهج البلاغة، وخطب عبد الله بن الزبير، والحجاج بن يوسف الثقفي، وكلام الوليد بن عبد الملك استعمال مصطلح العراقي بوضوح، ويزيد التأكيد ما جاء على لسان الجاحظ ذاكراً ما أوصى به معاوية بم أبي سفيان ولده يزيد، وهو على فراش الموت: "أنظر أهل العراق فإن سألوك عزل عامل في كل يوم فأعزله عنهم، فإن عزل عاملٍ في كل يوم أهون عليك من سلِّ مائة ألف سيف، ثم لا تدري عَلام أنت عليه منهم.  ثم أنظر إلى أهل الشام فأجعلهم الشِّعار والدِّثار   وأنا أعد لهذا الموضوع زرتُ شيخاً عراقياً، يعيش لاجئاً بلندن عاصر العهد العثماني وينحدر من بلدة سوق الشيوخ في جنوب العراق، كان معلماً في مدرستنا، المدرسة الأسدية، ثم مديرها (1927 و1935)، سألته هل كنت تعرف أن بلدة سوق الشيوخ عراقية؟ وهل كنت تعرف نفسك قبل 1921 بأنك عراقي؟ أستغرب الشيخ من السؤال، فلم يدر بخلده أن أحداً يشكك يوماً بعراقيته، قال: "نعم، كنت أعرف أن بلدتي عراقية وأنا عراقي".  ثم أردف مستغرباً: هل هناك شك ما؟ بعدها أخبرني بأمثلة عديدة لا مجال لذكرها.  بين أبي الهذيل ومعلم والدي أكثر من ثلاثة عشر قرناً، لكنهما أجابا إجابة واحدة: أنهما عراقيان، مرة من خارج العراق وأخرى من داخله.
ظهرت في تسمية العراق اجتهادات عديدة، منها مقالة الأصمعي أن كلمة العراق "تعريب إيراق شهر، أي كثير النخل والشجر، أو إيراق الفارسية البعيد  أيد أرنست هرتسفلد أصل التسمية الفارسي، فقال: تعريب لفظ "ايراك ومعناها البلاد السفلى، وهي تعني الجنوب  أما المعاجم العربية فشتقت تسمية العراق من عروق الشجر، أو لأنه يقع على شاطئيّ دجلة والفرات.  أخيراً، تبقى تسمية العراق منحوتة من اسم أوروك بلدة جلجامش الشهيرة، هي المرجحة.  قال (كي لسترنج) في إشكالية استخدام التسمية:"كيف جرى استعمال هذا الاسم في العهود السالفة، فأمر يعتريه الشك، فلعله يمثل اسماً قديماً ضاع الآن، أو أنه أريد به في الأصل عن هذا المعنى.  وكان العرب يسمون السهل الرسوبي بأرض السواد، واتسع مدلول كلمة السواد حتى صارت هي العراق، لفظتين مترادفتين في الغالب  أخيراً، تبقى تسمية العراق منحوتة من اسم أوروك بلدة جلجامش الشهيرة هي المرجحة.
تؤكد الوقائع التاريخية أن هناك حدوداً معروفة، تتسع وتضيق، تُشير إلى بلاد عُرفت بالعراق، لا يقصد بها "في الأدب الجغرافي العربي المعنى الحديث لهذه الكلمة، بل تعني النهايات، بمعنى الاتساع التام لمنطقة ما، وكانت تُستعمل، من قبل الجغرافيين العرب، لوصف نهايات قطر من الأقطار، أو نهايات منطقة ما  غير أن نهايات العراق حسب الأصمعي: من هيت "إلى الصين والسند والهند، ثم كذلك إلى الري وخراسان إلى الديلم والجبال كلها. . .   نهايات لا تعني حدود العراق الطبيعية، بقدر ما تعني الحدود الإدارية للخلافة الإسلامية، واتخاذ العراق مركزاً لها من جهة الشرق.  ويحدد الجغرافي ابن رسته حدود العراق حينذاك: "إن حد السواد (العراق) الذي تم مسحه في صدر الإسلام هو من لدن تخوم الموصل، ماراً إلى ساحل البحر من بلاد عبادان، من شرقي دجلة طولاً، وعرضه منقطع الجبل (حمرين) من أرض حلوان (بعد خانقين) إلى منتهى طرف القادسية، مما يلي الغريب  عُرف ذلك الامتداد بـ"عمل العراق"، قال فيه جعفر بن سليمان:"العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة  وبعد ظهور بغداد عاصمة للدولة العباسية، ومركزاً للعراق تبدل الوضع، ولم تعد البصرة سرة العراق، فقيل: بغداد عين العراق وسرته
إن أهم رواية خاصة في حدود العراق الجغرافية ما قاله المؤرخ العراقي المسعودي (ت346هـ): "السواد وهو العراق، فقالوا حده مما يلي المغرب، وأعلى دجلة من ناحية آثور وهي الموصل القريتان، القريتان المعروفة أحدهما بالعلث من الجانب الشرقي من دجلة وهي من طسوج مسكن، ومن جهة المشرق الجزيرة المتصلة بالبحر الفارسي المعروفة بميان روذان من كورة بهمن أردشير وراء البصرة".  أضاف المسعودي: "العراق أشرف المواضع التي اختارتها ملوك الأمم من النمادرة، وهم ملوك السريانيين الذين تسميهم العرب النبط ثم ملوك الفرس على طبقاتهم من الفرس الأولى إلى الساسانية، وهم الأكاسرة، وهي حيث تلتقي دجلة والفرات وما قرب ذلك، وهي من السواد البقعة التي حدها الزابي (نهر الزاب) فوق سر من رأى مما يلي السن وتكريت وناحية حلوان مما يلي الجبل، وهيت مما يلي الفرات والشام وواسط من اسفل دجلة والكوفة من سقى الفرات إلى بهندف وبادرايا وباكسايا وهي بالنبطية ترقف من أرض جوخا
 
العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418k8smt4
 
حطام وزارة الثقافة في الحرب الاخيرة!!


عدل سابقا من قبل محمد العابد في الثلاثاء نوفمبر 19, 2019 7:24 am عدل 1 مرات
محمد العابد
محمد العابد
صاجب الموقع
صاجب الموقع

المهنـــــــــــه : العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_257n5lk1
المزاج : العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_257241l1
التعارف : آحلي منتدي
الجنسيه : مصر
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 3559
تاريخ التسجيل : 19/09/2016
العمر : 65
الموقع : http://sanko.alhamuntada.com/forum

http://sanko.alhamuntada.com/forum

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . Empty رد: العراق هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. .

مُساهمة من طرف محمد العابد في الثلاثاء نوفمبر 19, 2019 7:07 am


حطام وزارة الثقافة في الحرب الاخيرة!!
ومن التعيينات الإدارية التي لها صفة سياسية قانونية تعيين جمع عمر بن الخطاب أمر قضاء العراق لقاض واحد هو سليمان الباهلي، وتعين الحجاج بن يوسف الثقفي (ت95هـ) بقرار من الخليفة عبد الملك بن مروان (ت86هـ) جاء فيه:"أما بعد يا حجاج، فقد وليتك العراقيّن صدقة   يومها خاطب الحجاج الناس بمسجد الكوفة: "يا أهل العراق"، ولم يقل يا أهل الكوفة.  قبله خطب الإمام علي بن أبي طالب:"أما بعد، يا أهل العراق".  وقال الفرزدق راثياً الحجاج وهي موبقة من أشد الموبقات:
له أشرقت أرض العراق لنوره
وأُمن إلا ذنبه كل خائف
بينما حرض الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك ضد واليه على العراق عمر بن هبيرة بقصيدة منها:
أأطعمتَ العراق ورافديه
فزارياً أحذّ يد القميص
في شأن العراقين، ذكر بشير فرنسيس وكوركيس عواد عند ترجمتهما لكتاب "بلدان الخلافة الشرقية": "عُرفت الكوفة والبصرة بالعراقين، ومعنى ذلك عاصمتا العراق، وبعد فقد منزلتهما صار اسم العراقين يستعمل في غير وجهه الصحيح، فكان يعني اقليمي العراق، وهما: العراق العربي والعراق العجمي، ويراد بالأخير اقليم الجبال".  يُلاحظ تقسيم العراق إلى عربي وعجمي في خارطة العالم للمستوفي (ت740هـ)، كُتب في القسم العجمي اسم كردستان  لم تغب حدود العراق الجغرافية عن معارضة الدولة الأموية، فهي توزع أقطابها على حدود أو نهايات الأقاليم، رغم أن معارضتهم كانت للدولة الأموية، ومقرها الشام.  لقد أوصى عبد الله بن محمد بن الحنفية ابن عمه محمد بن علي بن عبد الله بن العباس برجل يُقال له ميسرة: "فاجعله صاحبك في العراق وقال له: "أما أهل العراق، فهم شيعتك ومحبوك
وردت حدود العراق، أو نهاياته، في الخرائط الجغرافية والسياسية القديمة متغيرة بين زمان وآخر، لكنها لا تذهب بعيداً من حصره بين دجلة والفرات، حتى مصبهما في الجنوب.  ففي خريطة بابلية، يعود تاريخ رسمها إلى 4000 عام، يظهر العراق باسم بابل وآشور، وامتداد نهر الفرات، والجبال في الشمال، والأهوار في الجنوب (العراق في الخوارط القديمة).  بعدها بدت حدود العراق في خارطة الجغرافي أبي زيد البلخي (943م) مابعد تكريت شمالاً، وعبادان جنوباً.  وفي خارطة ابن حوقل(977م) تبدو بلدة (اسكي بلد) في أعالي الموصل ما بعد تكريت شمالاً، وعبادان جنوباً، والكوفة غرباً، وحلوان (بعد خانقين) شرقاً.
بينما يحدد الجغرافي أبو سعيد المغربي (1286م) حدود العراق بالزاب المجنون (الأعلى) شمالاً، وعبادان جنوباً وحلوان شرقاً، والكوفة غرباً، أي من أقاصي الجبال شمالاً حتى الخليج جنوباً  وتظهر حدود العراق في "مناقب بغداد" على ما هي عليه اليوم من جهة الشمال:"من بلد (حديثة الموصل) إلى عبادان طولاً، ومن العذيب إلى جبل طور عرضاً  وبلد المذكورة، التي تقع شمال غربي الموصل، كانت تسمى"اسكي الموصل، أي الموصل القديمة  يوافق ذلك التحديد شهاب الدين الآلوسي في "طراز المذهب":"طولاً من حديثة الموصل على دجلة، أو من العلث، وهو شرقي دجلة، لا العلث الذي في غربيها قرب الدجيل، أو من الموصل، كما في القاموس، إلى عبادان   كانت حدود العراق في العهد الجلائري (737هـ) "الأراضي الممتدة ما بين حديثة الموصل وعبادان الواقعة على مصب دجلة في البحر العربي طولاً، وبين القادسية وحلوان عرضاً، ويحده من الغرب الجزيرة والبادية، ومن الجنوب البادية والخليج العربي
لم تأخذ الخرائط القديمة، ومَنْ تحدث عن نهايات العراق من الجغرافيين والمؤرخين، امتداد العراق الإداري بنظر الاعتبار، بل حصرت كيانه بنهاياته المعروفة، التي تتماثل كثيراً مع حدوده الحالية.  يشير هذا إلى أن البريطانيين، أو ما أتفق عليه في معاهدة سايكس بيكو، لم يرتبوا حداً للعراق خارج حدوده أو نهاياته التاريخية، بل أنهم لم يتمكنوا بسبب صلة العراق أرضاً ومجتمعاً من تقسيمه إلى دويلات، كما حدث لمناطق أخرى.
 العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418dmv921
خارطة ايران وآسيا الوسطى. .  طيلة التاريخ ظلت هذه الهضاب تبعث بالجماعات الآرية والتركستانية
نحو بلاد النهرين، وتذوب في السكان وتتبنى اللغات(الاكدية ثم الآرامية ثم العربية) السائدة.
 
أما عن أهل العراق وتعددهم الأثني فيسأل علي الوردي، عن مصير السكان الأصليين:"إن سكان العراق عند الفتح الإسلامي كانوا يبلغون عدة ملايين. . .  وهؤلاء السكان هم بقايا السومريين والأكديين والعموريين والكلدانيين والكاشيين والفرس وغيرهم، وقد أطلق عليهم اسم النبط، فأين ذهب هؤلاء النبط، وكيف اختفت انسابهم، أو أصولهم القديمة ؟ أجاب الوردي على السؤال المطروح بالقول: إن الأنساب العربية "صحيحة في نطاق محدود، فهي صحيحة في نطاق الشيوخ، ومَنْ يتصل بهم بصلة القربى، كأفراد أسرهم وأفخاذهم، أما عامة أبناء القبائل فربما كان الكثير منهم من أنساب وأصول أخرى(و) إن الأهوار هي الموضع الذي التجأت إليه بقايا الأمم القديمة على الأكثر  تنسحب إجابة الوردي، مستفيداً علماء اجتماع أجانب، على أهل العراق الآخرين، من الذين حافظوا على أصولهم الأثنية والدينية، وهم من قدماء العراقيين، ومنهم عرب الحيرة والمناطق المحاذية لها.  ما أود إضافته إلى رأي عالمنا الوردي القائل بنقاوة شيوخ القبائل أن السلطات قديماً وحديثاً تتدخل في تعيين الشيوخ، لضمان موالاتهم لها، فربما نصبت موالياً(من أصل غير عربي) شيخاً.
بعد انهيار الخلافة العباسية ظلت بغداد عاصمة للعراق، وواليها الوزير العثماني بمثابة الحاكم الأعلى.  أكدت وقائع عثمانية عديدة هامة كيان العراق السياسي بحدوده الحالية، نجدها في أكثر من كتاب منها "دوحة الوزراء"(بغداد 1830)، ألفه الشيخ رسول الكركوكلي بتكليف من وزير العراق المملوكي داود باشا، ذكر المؤلف التكليف بالقول:"لقد أمرني مَنْ لا يُرد له أمر بتأليف هذا الكتاب".  من هذه الوقائع: "إن الوزير الحاج أحمد كان انتخابه لولاية بغداد لما يتصف به من مقدرة علمية، ورجحان عقل، ولكن العراق بما فيه من طوائف متنافرة، وعشائر متخاصمة، كالأكراد والعرب، ومختلف الجنسيات (الأثنيات) لابد أن تكثر فيه الفتن
ما يهمنا من هذا النص: أولاً، أن هناك حاكماً لكيان واحد اسمه العراق، ثانياً، أن تنوع العراق الأثني ليس حديثاً.  امتدت صلاحيات وزير العراق العثماني من بغداد إلى كردستان العراق، ورد في الكتاب المذكور ما نصه:"بالنظر لما كان يقوم به متصرف بابان (سليمانية) سليم باشا من المراوغة، ومطاوعة الاعجام، وقيامه من حين للآخر بأعمال ضد الدولة العثمانية، وتحريضه الأكراد على التمرد. . .  على هذا فقد عزم الوزير أحمد باشا على أن ينتف هذا الرجل ريش خيانته  اعترفت أوامر إدارية عديدة للباب العالي بعراق واحد، منها أمر سحب الحاج أحمد باشا من العراق، وإسناد المنصب لحاكم آخر ببغداد ومما يؤكد إدارة الموصل من بغداد، في حالات عديدة، ترشح الوزير سليمان باشا (والي بغداد) أحمد أفندي الموصلي والياً على الموصل بعد موافقة الباب العالي   أخيراُ ألا يكفي تعيين الدولة العثمانية "جلال بك متصرف كربلاء ووالي ولاية البصرة مفتشاً عاماً لإصلاح شؤون العراق  دليلاً على أن العراق كان كياناً واحداً في العهد العثماني؟.
كان البغداديون سوية مع عشائر الأكراد يدركون انتماءهم العراقي فهم جميعاً طلبوا من داوود باشا الدفتردار أن يتولى أمر العراق بدلاً من الوزير سعيد باشا، الذي هام بشاب أمرد يُدعى حمادي بن أبي عقلين العلوجي، أخذ يُسير أمور البلاد بما له من حظوة عند الوزير.  فمن أفعال حمادي دفع الوزير إلى تنحية داوود باشا من وظائفه كافة، ونفي متسلم كركوك خليل أغا إلى البصرة، ثم هروبه إلى إيران، وأضطر متسلم البصرة رستم آغا الهروب إلى المكان نفسه.  لقد ناشد أهل الحل والعقد البغداديين داوود باشا بقولهم: "أنت تعلم أن الدولة لا ترسل والياً من العثمانيين لحكم هذه البلاد، وإنما ترجح أن يتولى العراق أحد أبنائه، الذين ولدوا فيه، وليس فيهم مَنْ هو أقدر منك
استمرت مطالبة العراقيين بداوود باشا والياً عليهم بدلاً من سعيد باشا، فالأخير ترك الحبل على الغارب للأمرد حتى "صار الوزير تابعاً وحمادي متبوعا".  قدم العراقيون من أنحاء البلاد "العرائض والالتماسات إلى المقامات العليا بيد ساع خاص إلى الأستانة، وصدر الفرمان البادشاهي بتعيين داوود أفندي والياً على بغداد (وسط) والبصرة (جنوب) وشهرزور (شمال) مع رتبة وزير استقر الأمر لداوود باشا بعد إعدام الوزير السابق وغلامه وبعث برأسيهما إلى الأستانة.
ثمة واقعة أخرى تؤكد أن بغداد عاصمة العراق وليست ولاية منفصلة عن أرجائه الأخرى، ذُكر أن والي بغداد، أو وزير العراق سليمان باشا، جرّد حملة عسكرية ضد الإيزيديين بعد سيطرتهم على الطريق بين كركوك والموصل  والمعروف أن عصيان الإيزيديين المتكرر كان في الغالب ضد التجنيد الإجباري، والخدمة في أنحاء الدولة العثمانية المترامية الأطراف، وما أشتهر بين العراقيين بـ(السفر بر)، فلدى هذه الطائفة من الطقوس الدينية ما يتعارض مع نظام الخدمة العسكرية.  كان سليمان باشا من القسوة أن قطع ثلاثمئة رأس من رؤوس الإيزيديين وسيرها هدية إلى الباب العالي بالأستانة.
نلاحظ في مكان آخر من "دوحة الوزراء" صدور قرار شبيه بالقرارات الأموية، القاضية بتعيين ولاة العراق، منها:"ورد فرمان من الدولة العلية يأمر بنقل أحمد باشا من إدارة منطقة العراق، وتعيينه لمنطقة حلب الشهباء   وورد في قرار آخر:"بالنظر لما يتمتع به الصدر السابق محمد باشا من المقدرة، والصفات الحميدة، فقد عهدت إليه إدارة منطقة العراق   يصف رسول الكركوكلي حكومة أحمد باشا:"كان العراق في هذه الفترة ينعم بالهدوء والأمان والاطمئنان، ثم وردت الأخبار أن جماعة من الأكراد لم يرق لهم الهدوء، فقد جد عليهم حملة بقيادة سليمان باشا، وأرسلها إلى تلك الجهة   هناك أمثلة عديدة لم تخل منها سنة من دهر العهد العثماني بالعراق تؤكد ارتباط شهرزور (كردستان) ومنها كركوك والموصل إدارياً ببغداد.
 
العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418px0fm1
 
كانت البصرة في الجنوب وما يحاذيها من مناطق تتبع بغداد مباشرة، ويتولى الوزير ببغداد إدارتها، أو بواسطة متصرف ومتسلم، فقد حدث أن قُتل الوزير علي باشا في سوق الشيوخ حيث الأهوار، بعد تجريد حملة سار بها من بغداد ضد عشائر المنطقة بسبب إيواء أحد الباشوات المتمردين  في خبر آخر تولى الوزير ببغداد مواجهة تمرد في المحمرة، التي كانت تابعة إلى إدارة البصرة.  تحت عنوان"في بيان العلماء الذين أدركتُ عصرهم من العراقيين" يعد إبراهيم صبغة الله – في كتاب ألفه بطلب من داوود باشا 1869م- علماء من مختلف أنحاء العراق، منهم: البغدادي، الكردي، الكركوكلي، الأربيلي، الحلي (مفتي الحلة)، البندنيجي (نسبة إلى أسم مندلي سابقاً)، الموصلي، والمزوري العمادي، فهو من عشيرة المزورية الكردية من بلدة العمادية شمال العراق. كم ذكرت لنا أخبار التاريخ ألقاباً مثل فقيه العراق وعالم العراق، وأهل العراق إشارة إلى أهل الرأي المدرسة الفقهية المعروفة.  وقال في رابطة الكرد بالعراق:"أما عشائر الأكراد من أهل العراق فهم كثيرون
إن ما يدعم صحة تشخيص بغداد عاصمة للعراق آوان العهد العثماني قول السفير الفرنسي ببغداد (1954-1956) بيير دي فوصيل، إستناداً إلى وثائق سفارته السياسية: "لقد كان لنا خلال القرن التاسع عشر بأكمله ثلاث مراكز قنصلية، لدى ما كان يسمى وقتئذ بميسوبوتاميا، بلاد ما بين النهرين، وهي: مركز بغداد، ومركز الموصل، ومركز البصرة، ومركز بغداد هو المركز العام
إضافة إلى ما تقدم هناك أمثلة أخرى نقتبسها من أدب العقدين السابقين على تحول العراق إلى مملكة، وهي تُشير إلى أن العهد الملكي والبريطاني لم يزيدا على حدود العراق السياسية، ولم يستحدثوا بغداد عاصمة له.  كتب السيد محسن الأمين(صاحب أعيان الشيعة) متألماً لأحوال بغداد إثناء مكوثه فيها العام 1901، وما وصلت له من تدهور أمني:"تعجبتُ من وقوع ذلك في بلد فيه والٍ ومشير، وهو عاصمة البلاد  في المعنى نفسه كتبت مجلة "المنار" المصرية: "العراق ولا أزيدك به علماً من أفضل الأقطار، تربة، وطيبة هواء، وعذوبة ماء، وبه أنهار عظيمة كدجلة والفرات. . .  غير أن أكثره خراب، ينعق فيه البوم والغراب  وكتب إبراهيم حلمي:"كلما سرحتُ طرفي في تاريخ هذه البلاد، وأخذتُ أفتش عن تلك المعاهد والمنتديات، وتلك المدارس والكليات، وتلك المعالم والمستشفيات، لأجد فيها الآثار قائمة على جرف هار كالمستنصرية، وقد أصبح قسم منها دار مكس، وآخر مطبخاً للآكلين، وشطراً منه شرب قهوة للبطالين، وأهل الفراغ، فيا لخجل العراق والعراقيين   كانت بغداد قلب العراق يعني سقوطها بيد فاتح أو محتل سقوط العراق كاملاً.  ورد مثل هذا المعنى في افتتاحية جريدة "المقطم"(13 مارس، 1917) عشية دخول الجيش البريطاني بغداد: "قضي الأمر في العراق، وسقطت بغداد".  هل كان السيد محسن الأمين، والكاتب إبراهيم حلمي، ومحرر جريدة المقطم، قبل 1918، يتخيلون وجود عراق عاصمته بغداد، وهل كانت كلمة عراقيين تعني غير ما تعنيه الآن؟
لا تبيح الأمثلة السالفة الذكر، من العهد العثماني والعهود السابقة، المضي في التبشير بتقسيم العراق بذريعة حداثته، ولا تبيح التغاضي على حقيقة لم يكن لأبي الحسن المسعودي مصلحة قومية أو شخصية فيها ليثبت حده العراق الشمالي آثور وحده الجنوبي جزيرة بميان، ولا لإبراهيم صبغة الله في تأكيد انتماء الجبل لأرضه، لكنها بالتأكيد تبيح أن للكردي الحق في أن يكون وزيراً للخارجية وأن يكون رئيساً للجمهورية، وكذا الحال بالنسبة للعربي والتركماني والآشوري، الأيزيدي والمندائي والمسيحي، الشيعي والسني، فالمواطنة هي المعاملة والانتماء لا الكثرة والقلة.  ولعل الأمثلة السابقة أيضاً أعطت فكرة عن وجود ما يمكن اعتماده من وقائع تاريخية تصلح مادة للنقاش حول وجود كيان جغرافي وسياسي عراقي تتعايش في داخله أثنيات وأديان ومذاهب مختلفة، هي كياناته المستقرة فيه منذ الزمن الغابر.  أجد تلك الوقائع، التي وردت أخبارها من مؤرخين عاصروها، نافعة في مراجعة التنظير الذي لا يعتمد التاريخ ركيزة من ركائز البحث.
المدائن.. هندسها وقطنها وقدسها العراقيون..
واتخذها اليونان ثم الفرس، عاصمة لهم..
عشتار البرزنجي ـ فلندا
 العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418syeao2

طاق كسرى، صحيح انه كان مقرا شتويا للملك الفارسي، الا انه من صممه وشيده هم العراقيون وعلى الطراز العراقي المعروف(الاقواس). ورغم ان (المدائن) كانت العاصمة الشتوية للفرس، الا انها ظلت دائما مدينة عراقية يقطنها عراقيون وتسودها اللغة السريانية العراقية وتنتشر في انحائها الكنائس المسيحية السريانية حيث هي عاصمة المرجعية المسيحية لبلاد النهرين، ولم يكن فيها أي اثر لأي معبد نار مجوسي!!
 
 
كثيرا ما نسمع ونقرأ عن (المدائن) و(طاق كسرى) بانها معالم فارسية في العراق. ولكن التمعن في الحقائق التاريخية يكشف لنا خطأ مثل هذه الطروحات: ان (المدائن) مدينة عراقية اصيلة، اسما وحضارة ومعمارا وسكانا!! وقد ضخمت العقلية العنصرية لنظام صدام هذه المسألة، بالرغم من تأكيدات الآثاريين والباحثين والمعماريين امثال الدكتور فوزي رشيد وجبرا ابراهيم جبرا والمعماري عدنان أسود، أن هندسة وعمارة الطاق وقصر كسرى والمواد المستخدمة في بنائه (الآجر البغدادي) هي عراقية تماما، لكن حضرة االرئيس وبعضا من مستشاريه كانوا يرون أن الطاق يحمل الهوية الفارسية، لكن المؤرخ رشيد يؤكد ان هندسة قوس الطاق لا تختلف عن هندسة الأقواس في العمارة الآشورية الموجودة في نينوى في النمرود قرب مدينة الموصل حاليا.
وكان صدام حسين خلال الحرب العراقية ـ الايرانية يشعر بالضجر من وجود هذا البناء العملاق الذي يذكره بالاحتلال الفارسي للعراق، لذا فقد أمر بتهديم هذا الصرح الآثاري. إلا ان جبرا ابراهيم جبرا تدخل ليقنعه من خلال مقالات وندوة عرضت من خلال التلفزيون بأن طاق كسرى عراقي من حيث العمارة في الأقل.
لكن صدام لم يقتنع بهذا الرأي فقامت الاجهزة الامنية وقتذاك بإحاطة الايوان بالأسلاك الشائكة وتحذير العراقيين من الاقتراب منه مدعية انه يتعرض للتهديم وتركته السلطات يتهدم تدريجيا.
وحتى يجذب النظام السابق الناس الى جانبه أنشأ على مقربة من الإيوان بانوراما بالضوء والصوت عن معركة القادسية وربطها بالحرب العراقية ـ الايرانية لم تلق في نفوس العراقيين أي تقبل، لهذا كانت ادارات المدارس الابتدائية والثانوية تجبر طلبتها حسب أوامر عليا بزيارة هذه البانوراما مجانا.
ولجمال هذه البلدة التي تحيط فيها البساتين والمزارع ونهر دجلة خاصة في فصل الربيع، فقد كان العراقيون يذهبون اليها مجاميع إثر أخرى في يوم الربيع (عيد نوروز) حاملين معهم المأكولات والمشروبات، حيث تنتشر الفرق الموسيقية ويرقص الرجال خلال يوم كامل. ولحبهم لهذه البلدة الجميلة قال عنها البغداديون في اغنية شعبية مشهورة حتى اليوم «اللي ما يزور السلمان عمره خسارة».
تاريخ عريق
ان (المدائن) تسمية عراقية آرامية تعني (عدة مدن). وهي تقع على نهر دجلة جنوب شرق بغداد حالياً، في محافظة بغداد. في البداية حملت اسم (سلوقيا) نسية الى الملك اليوناني (سلوقوس) وريث الاسكندر المقدوني. وقد قرر ان يجلعها عاصمة امبراطوريته الشرقية. وفي عام 129 ق.م. عندما ضم الأرساسيون (البارثيون) بلاد بابل، وجدوا طيسفون مقرا ً مريحا ً للإقامة ومعسكرا ً فأصبحت العاصمة الشتوية للإمبراطورية البارثية. بدأت الاحتلالات الرومانية للمجمع مع الإمبراطور تراجان في 116 م.، وبعد ذلك على الفور قـُضي على الثقافة اليونانية المحلية. ومن اندماج الضفتين (سلوقيا) (طيسفون) تكونن (المدائن)، التي اصبحت ايضا العاصمة الشتوية في أيام الإمبراطورية الساسانية. وهي موقع اشتهر ببقايا قاعةٍ ذات قوس ضخم، هو طاق كسرى، التي اعتبرت تقليديا ً قصرا ً للملك الساساني خسرو الأول (حكم للفترة 531 – 578 م)، بالرغم من أن سابور الأول (حكم للفترة 241 – 272 م) نفذ أيضا ً أعمالا ً في الموقع. وفيما بعد أصبحت سلوقية وطيسفون مدينة واحدة مزدوجة. أما المملكة الساسانية.و في 637 فتح العرب مجمع المدينة، وفي البداية استخدموا طاق كسرى مسجدا ً مؤقتا ً. وفي 763 عندما أسس الخليفة المنصور بغداد، هُجرت طيسفون.
ظلت المدائن مقراً لكنيسة  العراق (المشرق)، طيلة الحكم الفارسي، وقد تعرض اتباع الكنيسة الى الكثير من المذابح والاضطهادات من قبل ملوك فارس.  ثم نقل الجاثليق (مرجع الكنيسة الاعلى) مقره منها إلى (بغداد) في خلافة (المهدي بن المنصور)، إذ أصبح من الضرورة أن يكون رئيس الكنيسة قريباً من دار الخلافة. لقد أسفر هذا القرب عن مناظرات فكرية طويلة بين الجاثليق والخليفة. وقبل حوالى سنتين اكتشفت آثار كنيسة طيسفون، حيث كان يجري انتخاب جاثليق المشرق على الطريق التي يجري فيها انتخاب بابوات الفاتيكان، وكثيراً ما قطعت الرسل المسافات بين المدائن وروما لتقريب وجهات النظر بين مذهبي المغرب والمشرق، وكانت المدائن من الأهمية الدينية أن وصلت مبشري الكنيسة إلى الهند والخليج العربي ومنغوليا.
سلوقية على دجلة
العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418wsmch3
 
(سلوقيا) عاصمة امبراطورية الشرق الاغريقية
 
وقد اصبحت فيما بعد جزءا من المدائن. وهي بالاصل مدينة هللينية أسسها سلوقس الأول نيكاتور (حكم للفترة 312 – 281 ق.م) عاصمة شرقية له ؛ وحلت محل بابل باعتبارها المدينة الأولى في بلاد النهرين وكانت شديدة الارتباط بانتشار الثقافة الهللينية في بلاد النهرين. تقع المدينة على نهر دجلة حوالي 20 ميلا ً (32 كم) جنوب شرق بغداد حاليا ً. كانت سلوقية مدينة كبيرة، أكثر سكانها من المقدونيين واليونانيين، بالإضافة إلى اليهود والسوريين. وقدّر بليني الأكبر سكانها بحوالي 600000 نسمة. وفي فترة الهيمنة البارثية على بلاد النهرين التي بدأت في القرن الثاني ق.م ظلت سلوقية المدينة الأهم في الشرق من حيث الموقع والتجارة. وبسبب من عواطفها اليونانية عاشت عدة تمردات مفتوحة ضد الملوك البارثيين الذين فضلوا عليها مدينة طيسفون المجاورة وأسسوا فولوجيسياس، أو فولوجيسوكرتا، كميناء نهري منافس. وأخيرا ً أحرق سلوقية القائد الروماني غايوس أوفيديوس كاسيوس في 165 م، ويقال أن عدد سكانها حينذاك كان 300000 نسمة. ويؤشر تدمير المدينة نهاية الهللينية في بلاد النهرين. وفي حملته البارثية في سنة 197 م، وجد الإمبراطور الروماني سيبتيموس سيفيروس الموقع مهجورا ً تماما ً. لم يبقَ شيء من المدينة على الأرض ؛ ولم تكشف التنقيبات في الموقع (الذي سُمِّيَ فيما بعد تل عمر) خلال 1927 – 1932 إلا عن نتائج غير مثيرة.
 العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418lc7394

المدائن في الزمن الاسلامي
قطنت المدائن، قريباً من ضريح سلمان الفارسي، أغلبية شيعية إمامية. قال ياقوت الحموي: «الغالب على أهلها التشيع على مذهب الإمامية»(معجم البلدان). وظلت هكذا حتى هذه الأيام. ويظهر وجود الشيعة التاريخي، حول بغداد، في منطقتين، هما الكاظمية حيث الكرخ غرب دجلة شمالاً والمدائن جنوباً. ويفسر هذا بالابتعاد مسافة أميال عن مركز بغداد، حيث دار الخلافة، التي ضاق صدرها كثيراً بعشوراء ومواكبه، وبالاختلاف في الأذان ودور العبادة، والتباين بإعلان هلال رمضان وشوال، وهو أمر ما زال قائماً بين شيعة العراق وسنته. وإلى جانب ضريح الصحابي سلمان الفارسي، وهو عند الشيعة باب الإمام علي حيث لكل إمام بابه، رقد الصحابيان عبد الله الأنصاري وحذيفة بن اليمان، وكانا من قبل يرقدان محاذاة شاطئ دجلة، إلا أن تكرار فيضان النهر جعل الحكومة العراقية تقوم بنقل ما تبقى من رفاتهما إلى ضريح سلمان الفارسي. وكان نقلهما عام (1931) يوماً مشهوداً، إذ تم في «مهرجان عسكري فخم».
لم يلتفت أو يهتم الشيعة بالمعلومة المهمة التي أفادنا بها مدير الآثار الأسبق ساطع الحصري، وهو عند تسجيل مقتنيات الأماكن الأثرية، ومنها مرقد سلمان الفارسي، وجد مكتوباً على غطاء القبر عبارة: هذا قبر الإمام جعفر الصادق (ت 148هـ)، فالإمام المذكور كان موجوداً ببغداد أوان خلافة أبي جعفر المنصور. إلا أن الحصري فسر الأمر بما يبعد إغراء الشيعة من إقامة ضريح للإمام السادس في تلك المنطقة. قال: يفهم من هذا أن الغطاء صُنع ببغداد، وكان في طريقه إلى المدينة، حيث مدفن الإمام الصادق، إلا أن حامله وضعه بالخطأ على قبر سلمان الفارسي! وهو تفسير واهن. لكن مَنْ يستطيع مراجعة ثوابت الكتب والأخبار، وما في العقول من معلومات، وإن كانت غير صحيحة. وقد يذكرنا هذا برواية الخطيب البغدادي بشأن مكان قبر الإمام علي بن أبي طالب، إنه ليس بالنجف، وإنما دفن حيث قتل في مسجده بالكوفة، لكن لم يتأثر أحد بهذه المعلومة أو غيرها.
جمعت المدائن بين السياحة في التاريخ، لأثرها الباقي شاهقاً إيوان كسرى، وبين السياحة الدينية لوجود مرقد الصحابي سلمان الفارسي وعبد الله الأنصاري وحذيفة بن اليمان. يضاف إلى أنها اصبحت متنزها للبغداديين، وقد قالوا في زيارتها «إلما يزور السلمان عمره خسارة». لما فيها من فضاء من البساتين مفتوحة على دجلة. اخرجت هذه المدائن العديد من الفقهاء والمفكرين والأدباء، ومنهم شارح نهج البلاغة عز الدين ابن ابي حديد (ت656) وأخوه، وهناك مَنْ احتج على النسبة لها بالمدائني بدلاً من المدني، فجاء الجواب: «إنما جاز النسبة إلى الجمع بصيغته».
 
بغداد.. تاريخ الحضارة والعمران..
 
"بلدة طيبة ورب غفور"
هكذا أقترن أسمها بذلك  القبس من القرآن الكريم، فلم يرقى إسم حاضرة إسلامية مثلما تبوأته بغداد، ومن دلالها كثرت أسمائها،فقد نعتت بدار السلام و كنيت بالزوراء، وأطلق عليها مدينة المنصور وتغزل وقيل عنها (سرة الدنيا) أو (أم الدنيا). وصفوها في ايام عزها أنها أقتطعت من الخلد خضرتها وبساتينها وماءها ورخائها،فها هي دجلة تسقيها من  حليب الفردوس ومن الفرات خمرها. وتسامت حتى وطأت الإعجاز وتكافأت مع أسم بابل العظيمة،حتى أمتزج الأمر لدى الأوربيين بتوارد التسميات لردح من الزمان. وكان رديفها القسنطينينية التى كنوها فيما بعد كوصيفة لها (بغداد البسفور)، كما ذكر ذلك المستشرق الالماني نولدكه. وقد حاولت قرطبة وفاس والقيروان والقاهرة وأصفهان المنافسة فارتقين الى الذروة ولكن دونها منزلة.لقد كسبت الدنيا والدين برجالاتها الأعلام، وسيان الحال في حياتهم أو بعد لحدهم،حيث مازالت أسمائهم تصدح ومجدهم يصول، حتى تخال الدنيا بهم ومنهم فها هو الإمام موسى الكاظم إبن جعفر الصادق وهاهو الإمام أبو حنيفه صاحب مذهب أهل العراق..وهاهم صوفيتها من الحلاج الى الجنيد والسهروردي وعبدالقادر الكيلاني ومعروف الكرخي الذي رفض هجرها،بإيمان مطلق منه أن مدينة تحوي رفات هذا الكم من الصالحين لايمكن أن تموت.
اختار موقع بغداد الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور،عاصمة لدولته على بطحاء  من الارض عند اعوجاج نهر دجلة عند التقائه مع نهر الصراة ودار حولها نهر كرخايا. لقد ورد في وصف المنصور بانه كان نحيفا اسمر اللون خفيف العارضين ذا صلابة وشدة، وكانت امه وزوجته من بربر شمال أفريقيا، ويقال بالتحديد من القيروان. وقد بنى بغداد بعد ان ضاق ذرعا في الهاشمية التي أبتناها على مقربة من الكوفة بعد قلاقل الراوندية والزنادقة فيها.اما السبب غير المعلن فهو رغبة من العباسيين في التملص من العهود التي قطعوها امام اولاد عمومهم من العلويين ومناصريهم التي تعج بهم المدينة  و الإقليم. وان يمسو هؤلاء سوسة قلاقل  ومفسدة لاتباعهم وعامتهم  والخشية من التأثير على قناعات خاصتهم. فأثروا الرحيل واختاروا هذا الموقع القريب من (المدائن) العراقية ومن ضمن نطاق (براثا) الآرامية.
 
العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_14186e4ya5
مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني
وتماشيا مع وضع الدولة الإسلامية حينما وطأت  الذروة، فقد اريد لبغداد أن تكون أستثنائية في كل شئ؛ الصفة و الموقع و التصميم والملكة. و تواشجت تلك الغايات مع الاسطورة وخوارق الروحانيات والفلك والطالع.حيث أريد لها موقعا وسطا بين البلدان، موحيا بوسطية الدين مستوحيا من قوله تعالى (كذلك جعلناكم أمة وسطا).وقد أختير لها شكلا دائريا رامزا للوسطية والقسطاس. ومن الجدير ذكره أن للتدوير شجون متجذرة في الرمزية وروحانيات الأشكال الموروثة في العقلية المحلية والمجاورة ولاسيما الآسيوية. فقد ذكر لنا حماد التركي (بنى المنصور المدينة مدورة لان لها معان ليست للمربعة وذلك ان المربعة إذا كان الملك في وسطها كان بعضه اقرب اليه من بعض والمدورة كان امرها الى وسطها مستوياً لايزيد بعضه على بعض). وغير ذلك للشكل المدور وضع ممركز،ومغازي هيكلية ووظيفية للبناء،ناهيكم عن المغزى الإقتصادي للمساحة. وهنا نذكر بأن الارض المدوره تكون أصغر من المربعة المساوية لها بنسبة 11،37%.
والمدن المدورة  سّنة عمرانية عراقية موروثة،وردت ربما بسبب تسطيح ارضها الذي يسمح برسم الدائرة على مبسوط أرضها. و على خلاف ذلك نجد في مدن مصر ذات الشكل الشريطى الطولى الذي كرسته سجية وادي النيل الضيقة.وثمة نقوش آشورية تمثل المعسكرات المدورة ذات الطرق والمداخل المحورية التي أنشات في زمن سلمناصار الثالث (858-824 ق.م) وسنكيريو في نينوى (705-687 ق.م) ناهيك عما كان ملموساً في مدينة سنجرلي (القرن الثاني قبل الميلاد) الموجودة شمال الموصل ومدينة أشور جنوبها ومدينة الحضر (من القرن الاول الميلادي) جنوب غربها وكذلك حران شمال الجزيرة والمدائن القريبة من بغداد(25كم جنوبها) ،اما في التمصير الاسلامي، فدوران الكوفة ثم واسط إلا تكريس لنفس المبدأ العمراني الموروث والذي أسترسل إسلاميا في الامصار اللاحقة.
وذكر البعض أن تأسيس المدينة تعلق  بروحانية الاعداد وسحرها كما ذكر ذلك (ف.أندرس)، أو بالتنجيم والطالع كما ذكر لنا البيروني في كتابه الاثار الباقية،حيث ورد إن العمل في الإنشاء ابتدأ يوم الثلاثاء 23-تموزعام 1074 للأسكندر (25-ربيع الثاني عام 145هجري أو عام 761م وان نوبخت المنجم الفارسي وكذلك ابراهيم بن محمد الغزاوي كانا قد تولى اختيار الوقت المناسب بما يناسب هيئة النجوم والأبراج ،ثم شرع بالعمل. وذكر اليعقوبي مقولة ابي جعفر المنصور عند وضعه الأساس: (بسم الله والارض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين..أبنوا على بركة الله).
وفي اختيار موضع بغداد  من ابي جعفر له دلالات في إعتدال الجو بعدما  ترعرع في الشام وفارس المعتدلتين حراريا. فهواء بغداد العليل كان مضرب الامثال.و مما يثير الحيرة في نفوسنا اليوم، ان درجات الحرارة في بغداد - خاصة في فصل الصيف - اصبحت لا تطاق. الأمر الذي يعني ان تغيرا ما طرأ على وضع بغداد البيئي. ويمكن أن يكون ذلك مرده إختفاء المساحات الخضراء و المسطحات المائية التي كانت بغداد عامرة بها في السابق،حيث طوقت بغداد شبكة من الانهار، منها نهر عيسى القادم من الفرات جنوبي الانبار، ويتفرع منه نهر  الصراة، ثم نهر صرصر القادم من فوق المدائن على  دجلة، ونهر (الملك) الذي يصب جنوبي المدائن، ثم الى الجنوب نهر (كوثي) ونهر (الصراة الكبرى)، وغير ذلك من السواقي الرابطة التي ذكرها ياقوت الحموي في (معجم البلدان)، ولعل هذه الشبكة هي التي أدت الى توازن بيئي، واسهمت في تنشيط حركة الهواء في اجزاء المنطقة، وكان ذلك من مناقب اختيار المنصور لموقع عاصمته.
العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418kxmuh1
ظلت بغداد دائما رمزا اسطوريا في الثقافة العالمية،
 وبالذت في السينما

وكان لبغداد اسماء عديدة اختلف الباحثون في مرجعيتها فالاسم بغداد ذكره ياقوت الحموي في معجمه بانه مشتق من جذور فارسية بصيغة (باغ- داد) وتعنى بستان لشخص يدعى داد ولكن الحفريات الحديثة اوصلتنا لمعنى اخر اقدم كثيراً جاء منقوشا على رقم بابلي طيني تذكرها بالاسم الارامى (بكددوا) او (بغددوا) وما يمكن ان يؤكد ذلك كون جل المواقع القريبة تحمل اسماء ارامية مثل: براثا وكلواذه (الكراده)وبعقوبة وكوثى وبدره وبتدين وباكفيا. وتفسير اسمها الارامي يمكن ان يكون مصدره الكلمة المركبة (بيت كداد) التي تعني بيت القطيع او بيت الغنم او  الحظيرة او ربما معنى مجازي يعني المرعى وهى اقرب الى واقع الحال. وتكتفي عادة الصيغ الارامية المركبة باقتضاب الباء من كلمة بيت كما هو وارد في اسم بتدين أي بيت الدين وبكفيا أي بيت الصخرة وبعقوبة أي بيت العقوبة او السجن أو الحجز وبصرياثا (البصرة) وتعني بيت الاكواخ او ما يطلقون عليه في العامية العراقية (صرايف) والتي عربت حتما من (صرياث). ومما يؤكد هذا المنحى لاسم بغداد هو ما اكده الطبري في تاريخه بقوله Sadوكان في قرن الصراة مما يلي قصر الخلد في الجانب الشرقي لبغداد قرية ودير كبير تسمى سوق البقر) ولكن المسعودي ذكره بان اسمه  سوق الغنم.
اما اسمها دار السلام فربما يكون مقتبس من اسم دجلة نهر السلام ونهر اللبن في انهار الجنة وتيمنا بقوله تعالى Sadلهم دار السلام عند ربهم ،وهو وليهم بما كانوا يعملون) (سورة يونس الآية 25) او قوله تعالى : (والله يدعوا الى دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون) (سورة الانعام الآية 127). وكان هذا الاسم يخص المدينة المدورة قبل توسعها اللاحق.اما اسم الزوراء فكما ذكرنا بسبب ازورار قبلة مسجدها الجامع او ربما ازورار نهر دجلة وانعطافه المفاجئ  نحو الغرب عند موضع بغداد.
ومن وحي الاسماء والغيبيات وتفسيراتها نذكر نادرة اسم (مقلاص) الذي ذكرته الاساطير في امتلاك او بناء ارض مدينة بغداد والذي اكده ابو جعفر بانه هو المقصود فعلا فقد كانوا يطلقون عليه اسم مقلاص في طفولته بسبب دلاله ونزقه وعناده ومن الجدير ذكره بأن نفس التعبير مازال ماكثا في لهجات عربية مثلا اهل العراق يقولون لمن يتدلل (يتمقلج) او ما يقولوه في الغرب العربي (مقلش).
 
كنيسة في بغداد
 العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418sbt521
وخضع بناء المدينة وتطورها منذ تأسيسها حتى اليوم لخمسة مراحل من التطور هي التالية:
المرحلة الأولى (المدينة المدورة)
انطلقت الحركة الدؤوبة في ورشة بناء بغداد بمئة الف عامل يشرف عليهم وعلى مطابقة التنفيذ بالخطة مجموعة من المهندسين واساطين الحرفة منهم الحجاج ابن أرطأه كمعمار وبمساعدة أربعة معماريين: هم عبدالله بن محرز وعمران بن الوضاح وشهاب بن كثير وبشر بن ميمون الذي ذكره البلاذرى بان عهد اليه ببناء الطاقات عند باب الشام. وقد اشرف على ادارة الشؤون المالية وتخمين الجدوى الفقيه الاعظم ابوحنيفة النعمان (رض)، الذي كان قد استحدث طريقة رياضية سبق له ان استعملها في بناء مدينة واسط، وذلك بحساب عدد مداميك الاجر بواسطة قصبة مدرجة ليتسنى له عند ضربها مع معامل حجم الاجر الى حساب كمية العمل المنجز والتي يصرف على ضوئها أجرة البناء. ومن مأسي القدر أن يموت هذا الرجل الصالح عام 767م في احدى قبوات المدينة عمل في بناءها وأحبها وفقه الناس فيها ،حيث مات حبيسا لابو جعفر وضحية لمبدأ أخلاقي لم يحيد عنه.
أما اسقاط المخطط على الطبيعة فقد ثبته الفلكيون،ثم تلاه نثر الرماد على قطر الدائرة ووضع فوقها كرات من القطن مشبعة بالنفط وأحرقت لتترك اثرها بندب يستدل بها في حفر الأساسات للبناء. وقد استعمل مقياس الذراع واجزاءه حتى الشبر والاصابع بما يدعوا بالقياس البلدي حتى اليوم كنظام لمودول القياسات ،وقد قدر المستشرق الأنكليزي كريزول مقدار الذراع ب 51،8 سم ويحسب للسهولة عادة بمقدار نصف متر. أما الخطوط الشعاعية للبناء المتجة نحو المركز والتي تحصر بينها أشكال أسفينية لاتلاحظ بالنظر لسعة قطر الدائرة.وعلى العموم فأن قطر المخطط إجمالا قدر بـ 2710 متر.
وقد استعمل نظام الفرق العاملة بالتوازي في الإنجاز وقد شرع أولا في بناء القصر وعلى تخومه المسجد الجامع،أما الاسوار والارباض فقد قسمت الى أربع قواطع يشرف على كل منها أحد المهندسين.وقد أحتل مركز الدائرة القبة الخضراء التي تغطي قلب قصر الخليفة المدعوا قصر باب الذهب والمغطي لقاعته المركزية التي يتناظر من حولها في الاتجاهات الاربع أربعة أيوانات على مثل حال قصر ابو مسلم الخراساني في مرو الواقعة في أسيا الوسطى .وابعاد القصر كانت 200 م مربع وارتفاع القبة كان يسموا الى 40م.أما المسجد المحاذي للقصر من جهة القبلة فابعاده 100 م مربع.
ويطوق البناء خندق مائي عرضه 6م ينهل ماؤه من نهر كرخايا وبغرض المعالجة لحالة التاثيرات المائية على السور فقد استعمل في الاساس نوع من الملاط خليط النورة والرمل مع الرماد الذي يكسبه خاصية المقاومة المائية. وكان البناء يشتمل على ثلاثة أسوار متتابعة وكان الوسطاني  أضخمها واكثرها سمكا وارتفاعاً وتعلوه القبب فوق الطاقات التالية للمداخل الذي يكرس حالة دفاعية ناهيكم عن معالجة بصرية  جمالية. ويحيط بكل سور فيصل فارغ من البناء يدور حولها ويساعد في حركة الحرس الدائرية.
وكان للمدينة اربعة ابواب باسماء البلدان المتجهة اليها وهي الشام والكوفة والبصرة وخراسان والمداخل من النوع المنكسر لغرض الحماية وتعلو كل مدخل قبة باسقة لغرض الاستدلال على المدخل من بعد. وكان للسور هدفين احداها عسكري والثاني لغرض السيطرة على سكان المدينة.اما من الناحية الرمزية فانه فاصل صريح بين المدينة والحقل المفتوح الذي يحيطها والريف والذي ينعكس نفسيا في أطمئنان النفوس والشعور بالامان لسكانها.كذلك يمكن ان يدل علىة نزعة إستبدادية ويجسد هيئة حصن منيع تهب السلطان الامان على ملكه ظاما إليه صفوة شعبه ومصدر ثقته.
أما المرافق السكنية والخدمية للعامة فتقع بين السورين الاوسط والداخلى وقد خطت على شكل ارباض قاطعية الشكل تحوي ديار من طابق واحد حتى ثلاث طوابق تحيط بحوش سمائي على الطراز العراقي الموروث منذ القدم.  أما مايلي السور الداخلي حتى أسوار قصر الخليفة والمسجد الجامع فياتي تباعا أبتداءا من الخارج قصور الامراء ورجالات الدولة  ثم دواوين ومطبخ العامة الذي يتبعه قصور أولاد الخليفة وخاصته.
لقد كان للطين حضورة في بناء المدينة، حيث استعمل على صيغتين؛ اولها الطوب المصبوب في قوالب والمجفف تحت وهج الشمس والمسمى(الطوب الاخضر المتكون من الطين والتبن). وقد استعمل في بناء الاسوار والاجسام نصف السطوانية الساندة له من الخارج وكذلك الحيطان الساندة لاجزاء البناء الاخرى.اما النوع الثاني فقد كان الآجر المفخور(الطابوق)،والذي كان يستعمل في بناء العقود والطوق والقبوات وكذلك القباب ويوجد نوع من الطوب المحروق الذي يستعمل عادة في تنفيذ الاساسات لمقاومته نفاذية الماء.

محمد العابد
محمد العابد
صاجب الموقع
صاجب الموقع

المهنـــــــــــه : العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_257n5lk1
المزاج : العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_257241l1
التعارف : آحلي منتدي
الجنسيه : مصر
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 3559
تاريخ التسجيل : 19/09/2016
العمر : 65
الموقع : http://sanko.alhamuntada.com/forum

http://sanko.alhamuntada.com/forum

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . Empty رد: العراق هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. .

مُساهمة من طرف محمد العابد في الثلاثاء نوفمبر 19, 2019 7:53 am

الطوب المحروق الذي يستعمل عادة في تنفيذ
 الاساسات لمقاومته نفاذية الماء.

العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_14182lgsb1
و تكمن الحذاقة المعمارية هنا في إختصار استعمال الخشب الى الحد الادنى في التسقيف و السقالات والقوالب الموضوعة لعناصر التسقيف الانشائية ولا سيما في القبوات.ومن المؤكد أستعملت سنة بنائية عراقية تعتمد على إتكاء الطاق على حائط ثالث واصل بين الحائطين الأساسيين الساندين،كما هو الحال في طاق المدائن(طاق كسرى). وهنا تستثمر حالة (الشك) أو الجفاف السريع لخامة الجص العراقي بأقصى مايكون، وهذه الخاصية مازالت شائعة حتى اليوم. وقد استعمل الخشب كذلك في الاساطين (الدلكات) في حرم المسجد واروقته  والمساحات المفتوحة وكانت تعمل عادة من قطعتين معقبتين بالعتب والغرى وضبات الحديد.وهذه الطريقة توارثوها اهل بغداد حتى العمائر الاخيرة.وأستعمل في حينها التاج الناقوسي وهو ماكان شائع في تلك الفترة مثلما وجدناه في سامراء.اما التيجان المقرنصة فقد ظهرت في حقبة لاحقة.  واستعمل الخشب كذلك في التسقيف بطريقة الجسور الخشبية على بحور محددة والمعقودة بالاجر فيما بينها او  جسور اولية مغطاة بجريد النخيل بعدة طبقات منتهية بلياسة طينية للحماية. أما مايتعلق باللمسات الفنية واعمال النهو فاستعمل  الجص البسيط والمعالج بالالوان والرسوم والطلائات(الفريسكو) او المنقوش بواسطة الحفر المشطوف.
المرحلة الثانية (الأنتقال الى الرصافة)

توفي ابو جعفر المنصور في يوم 7 تشرين الاول (اكتوبر) عام775، بعد تسع سنوات من مكوثه في  بغداد التي استغرق بناؤها خمسة اعوام. وخلفه ابنه المهدي حتى عام 785م، حين بدأ الضيق يبدو على المدينة وارباضها،وأقيمت حولها الأسواق وبعض الدور العشوائية.وهكذا أضطر الى بناء قصرا له في الرصافة على الجانب الآخرمن دجلة متحاشيا الزحمة،  ثم تلاها انتقال العامة حولها. المشكلة تكمن في أن بغداد المدورة مدينة غير قابلة للاتساع محدود وثابت المساحة والهيكل.
ثم اتى موسى الهادي بعد والده المهدي، لعام واحد، ليخلفه اخوه هارون الملقب بالرشيد (787-809م) الذي انفجر بزمانه مجد بغداد وابهتها، فذكرها الخطيب بقوله : (لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلاله قدرها وفخامة امرها وعظم اقطارها وسعة اطرادها وكثرة دورها ومنازلها ودروبها وشعوبها ومحالها واسواقها وسككها وازقتها ومساجدها وحماماتها وخاناتها وطيب هوائها وعذوبة مائها وبرد ظلالها وافيائها واعتدال صيفها وشتائها وصحة ربيعها وخريفها. ولم تصمد المدينة المدورة لعوادي الزمن بسبب انتقال الخلفاء الى قصورهم خارجها وانتقال العامة عنها والاهمال الذي سبب الخراب لها،و زاده فيضان نهر دجلة، وعدم مقاومة الاسوار بسبب بنيتها الطينية غير المقاومة للماء بالرغم من وجود الهياكل الإستنادية نصف الإسطوانية على سورها الخارجي.  ويبقى من اهم عوامل خرابها الصراعات  السياسية وحروب الاخوين الامين والمامون لا سيما حصار ابن طاهر قائد جيوش المامون لها عام 814 م وضربها بالمنجنيق. ومما زاد الطين بلة الاهمال الذي اصابها عند انتقال العاصمة الى سامراء لمدة 58 عاما على يد المعتصم عام 835. وفي عام 941 تهدم قصر الذهب بسبب الاهمال، وسبقه الخراب الذي خلفته ثورة المساجين على الخليفة المقتدر عام 919، وتكسيرهم لابواب المدينة، ثم فيضان دجلة المهول عام942، الذي ذكره المقدسي في تأريخه، و ادى الى سقوط الطاقات. ثم حدث أن اقتلع معز الدولة البويهي بيبانها الحديدية، ونقلها لقصره في الشماسية(الأعظمية) عام  961 م. ويبقى وصف ابن بطوطة لمسجدها الذي زاره عام 1327 ذات دلالات، بانه مكث باقيا مقاوما لقرون بعد الخراب والإهمال.
وقد آثر الخلفاء العائدون من سامراء الاقامة في الرصافة وعندها ابتدأت المرحلة الثانية من اعمار بغداد، واشتهرت بقصورها ومساجدها ودور العلم فيها مثل قصور الجعفري والتاج والفردوس ودار الشجرة والسلام وقصر البرامكه وقصر الزندورد وقصر المعتصم. وكان للمدينة  سور ومداخل سميت باسماء باب الظفرية وباب الحلبة (الباب الوسطاني) الذي بقي وحيدا في الوقت الحاضر، وباب الطلسم الذي شيده الخليقة الناصر لدين الله  وفجره الأتراك قبل إنساحبهم من بغداد عام 1918. وامتد العمران للكرخ على الجانب المجاورللمدينة المدورة وربطت الجهتين بجسور ثلاثة، وحينئذ انتقل اسم بغداد من المدينة المدورة الى جانبي النهر في الكرخ والرصافة الذي ما زال حتى يومنا هذا. وجدير بالذكر ان اسم الكرخ يحتمل وروده من اصل فارسي بمعنى الدار وآرامي بمعنى القلعة.
 
المرحلة الثالثة(العد التنازلي)
بدأت معاناة بغداد الحقيقية عندما تدخل في شأنها البويهيون الفرس تارة والسلاجقة الاتراك تارة اخرى، وكان لبغداد ان تشهد على ايديهم ثلاثة من خلقاء بني العباس يخلعون وتسمل عيونهم ويصبحون في احط درجات الحاجة وهم القاهر (934م) والمتقي (944م) وا لمستكفي (947م) ويعتبر المؤرخون ان الراضي (934-940م) هو خاتمة الخلفاء الاقوياء. وقد حاول الخليفة الناصر عام 1180  ان يتخلص من ربقة هؤلاء واعادة الهيبة لبغداد ولم يفلح كثيرا في مسعاه.
وإبان تلك المرحلة شاع  بناء القصور البويهية وخاصة في منطقة الشماسية محاذية لشاطئ النهر (الكريعات اليوم). وقد ابتدأها عام 961 م أحمد بن ابي شجاع الملقب بمعز الدولة البويهي، الذي نقل الاجر على ظهر طوافات من سامراء واستغرقت ورشة البناء سبعة اعوام، حتى توفى ليدفن في احدى حجر القصر، ثم نقل بعد حين الى باب التين في مقابر قريش في الكاظمية.وقد بنى أمراء البويهيين سلسلة من القصور في هذه المنطقة على اقصى درجة من الابهة والبذخ ثم تصافت وامتدت حتى وطأت طريق خراسان (ربما الجديدة و الرضوانية) وسمي هذا الحي (دار المملكة) والذي افل نجمها عند انقراض الدولة البويهية عام 1075م.ومن اهم البناءات المدنية كان المارستان (المشفى) العضدي الكبير الذي انشأه عضد الدولة عام 982م في الجانب الغربي من المدينة كما ذكره ابن جبير عام 1184م بانه بناءاً مهيبا ثم وجده ابن بطوطة خرباً عام 1327م.
وأستمرت تلك المرحلة من تاريخ بغداد عندما حل السلاجقة الاتراك   واستحوذوا على امرها   ولاسيما آلب ارسلان وولده ملك شاه.  ولكن الحظوة والتصدر للسلطة فيها كان لوزيرهم الحاذق نظام الملك وهو صاحب المناقب في بناء المدارس النظامية، والتي بلغ عددها تسعة. و يعتقد ان باكورتها كانت في بغداد عام 1067م في موضع الى الامام من المدرسة المستنصرية اليوم باتجاه شارع النهر وفي منتصف المسافة بين الجرف و شارع الرشيد. وكذلك في البصرة والموصل وامهات  المدن  في المنطقة وذلك لمبرر طائفي؛ الا وهو محاربة التشيع الذي دعموه اسلافهم وأعدائهم البويهيين.وقد أجبر السلاجقة الخلفاء العباسيين على تبديل مذهبهم الى المذهب الشافعي، بعد ان كانوا قد غيروه ثلاث مرات في السابق من المالكي الى الحنفي ثم الى الشافعي. واهتم أمرائهم باعمار جامع ومدرسة ومشهد الامام المعظم ابي حنيفة النعمان(رض) وكذلك مدارس الامام عبدالقادر الكيلاني والشيخ عمر السهروردي وكذلك بعض المساجد منها جامع السلطان جنوب العيواضية اليوم عام 1092م والتي نقل اليها آجر وخشب سامراء، ثم مسجد الشريف الزيدي و رباطا للصوفية على مقربة المدرسة النظامية.
وفي هذه المرحلة من اعمار بغداد شهدت العمارة قفزات جديده تمثل في ولوج البناء ذي  الايوانات الاربع المتصالبة حول حوش سماوي مربع أو مستطيل،  والذي كرس نوع جديد من مخطط المساجد الذي اقتبسته اصلا من المدارس و الذي لم يكن مطبقا في السابق، حينما كان يسود المسقط النبوي (العربي)، ومخططه متكون من مستطيلين متداخلين.وهذا المخطط سنة بنائية عراقية وجد أقدم نماذجه في معبد شحيرو في الحضر.
و مايخص  التسقيف فقد بدأ استعمال التغطية بقبب هرمية او مخروطية سنامية الشكل يدعوها العراقيون(الميل) كما في قبر زمرده خاتون وإمام الدور. وتبدو تلك السقوف وكأنها متراكبة من عنصرالمقرنص، من الداخل والخارج، ومرتبة فوق بعضها بشكل تناقصي، ويسموا فوق ذروتها فانوس مأذنة.و يحضر لقطر المخروط المدور قاعدة مضلعة سداسية او ثمانية. والمغزى الهيكلي هنا مبرره ان العزوم تقل قيمتها تبعا لطول المسافة بين النقاط الحاملة، وهذا يعني ان العزوم هنا تكون بمقداره الأدنى. وقد بدات مرحلة جديدة في التركير على وفرة المعالجات الفنية الخارجية وقد أعتني بالريازه وعولج الآجر بتراكبات ناتئة مضلعة أو إنسيابية  لقطعه وصفوفه ومداميكه،وكثرت الحشوات اوالأشكال الحصيرية وأستحدث حفر الاجر ونقشه بالزخارف او الخط العربي، التي يلعب الضوء والظل الطبيعي فيها لعبة الجمال الأخاذ.
و ظمت بغداد في ايام عزها الى صدرها هجين الملل والنحل والاعراق وطأ تعدادهم المليوني نسمة في القرن العاشر الميلادي وهي حالة إستثناية في تاريخ التمدن البشري،و أمست بحق أول مدينة عالمية.و للعامل البشري في تهاجن الأجناس في البوتقه البغداديه أثره الفعال في تصاعد التحسن التوريثي لأهلها المتمخض عن إختلاط الحضر والاعراب والفقراء والمترفين والأعراق والأجناس المتشابكة.
لقد تركوا لنا السلاجقة كثير من بناءات الشواهد والقبور واكثرها شهرة في بغداد تربة الشيخ عمر السهروردي ثم مرقد السيدة زمرد خاتون ام الخليفة المستضئ بالله العباسي المتوفية عام 1201م في مقبرة الكرخ (الشيخ معروف أوالرحمانية اليوم) والذي استعمل فيه نوع من القرنصة البنائية والتغصين الجانبي مما يشبه جنبذة الزهرة قبل التفتح ويعتقد ان الاول جعل لتضليل الكوي التي تنير داخل القبة ثم توسع فية البناء لياخذ شكلا مميزا.وهذا النوع من القباب المخروطية او الهرمية تكاد تكون خاصة باضرحة الائمة وصفوة القوم.
المرحلة الرابعة (سقوط بغداد وويلاتها)
 
العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418z1iiw3
استباح هولاكو بغداد ابتداء من صباح العاشر من كانون الثاني (يناير) 1258م، وحكمها اتباعه الذين انزلوا المدينة من عليائها، وقضموا ثرواتها وازالوا حضارتها. وخلفهم الشيخ حسن الجلائري الذي حكم واولاده 73 عاما، أنهوا بها اخر بصيص امل لاحياء بغداد.وعمل من خلفهم  على اعادة بعض عمران المدينة ولاسيما الإقتصادية والدينية كما الخانات والمساجد. ومن هؤلاء  (علاء الدين عطا ملك الجويني) الذي حكم 22 عامأ، و قام بترميم بعض معالمها وبناء الربط في محلاتها كما الحال في الكاظمية، لكن لن ينفع مسعاهم هذا في تحسن الأحوال. و شهدت المدينة بعضأ الإعمار أيام الشاب الجميل اويس الملقب بمعز الدين 1356م والذي تقرب له الناس لما لكن له من مواهب فنية وادبية.وقد حل محلة رئيس خدم البلاط امين الدين بن عبدالله الملقب الخواجة مرجان بعد غياب السلطان اويس في اخماد القلاقل في ايران والذي حاول ان يستحوذ على السلطة بدون جدوى ولهذا الرجل اثار شاخصة في بغداد تؤرخ لقوة العمارة وسمو مهارة صناعها وهي جامع وخان ومدرسة مرجان.
والمدرسة المرجانية بنيت على اطلال المدرسة النظامية وبمساحة اقل منها واقل من المدرسة المستنصرية وكان مخططها مربع الشكل مع قطع في احدى زواياه والتي بقيت حتى العشرينات من القرن العشرين حينما قرر امين العاصمة  تقويض هذا المعلم،بحجة توسعة شارع الرشيد.ولم يسلم الجامع من هذا التفريط المجحف.
ومن معالم هذه الحقبة جامع محمد الفضل وجامع الآصفية (المولى خانه) المجاور للمدرسة المستنصرية من جهة الجسر  والذي بناه  محمد جلبي كاتب ديوان احمد الطويل والذي اصبح فيما بعد تكية لدراويش المولوية (اتباع المولى جلال الدين الرومي) ثم رممة داود باشا والي بغداد عام 1825م الذي كان ينعت بـ(أصف زمانه). ومن المعالم كذلك جامع العاقولي بالقرب من الحيدرخانة من جهته الشرقية في محلة العاقولية ويرجع بناءه الى عام 1327 م وجامع النعماني في شارع الكيلاني اليوم والمبني سنة 1381 م وجامع الشيخ سراج الدين عمر القزويني في محلة الصدرية  المبني سنة 1325 م وجامع السيد سلطان علي الواقع قرب محلة المربعة على شاطئ دجلة ولايعرف بالضبط تاريخ بناءه ولكنه رمم اعوام  1836 و1892 م. وثمة معلمين ضاعين من بغداد أحدهما مسجد منيف ذو قبة باسقة مزدوجة الهيكل في مكان القشلة اليوم،والآخر برج مثمن على مدخل سوق السراي اليوم،عند نهاية الجسر مقابل جامع الآصفية،وقد تركت لنا صور الرحالة الغربيين معالم تلك العمائر.
وأستمر الحال تقهقرا حتى قدوم تيمورلنك واستمراره على المنوال نفسه بين (1400-1405م)، ثم استباحها خلال 87 عاما رجال دولة الخروف الاسود (قره قوينلي) التركية البدوية الذين انتهت على يد خروف اخر يدعى الخروف الابيض (ا ق قوينلي) ليناطحهم ويكسب الجولة لمدة اربعين عاما، حتى حلول العام 1508م حين دخلها الصفويون الفرس حتى مجيء الاتراك العثمانيون عام 1534م   ايام السلطان سليمان القانوني، واستمر الحال حتى تولي بكر صوباشي، حيث هاجمها الشاه عباس الصفوي واحتلها لمدة عشرين عاما، ليعود العثمانيون دواليك،و انتهت بدخول السلطان العثماني مراد الرابع الى بغداد من باب الطلسم (باب الحلبة) عام 1639 م والذي اوصده بعده اعلانا لعدم ولوج غيره خلاله. ومما تركه هذا السلطان  المدفع المسمى(طوب ابو خزامه) الذي نسج عليه العامة اساطير وهالة من القدسية . وسبب الصراع بين الفرس والترك خراب بغداد والعراق، حتى اطلق البغداديون اهزوجة مكثت في الذكرة الشعبية تقول Sadبين العجم والروم احنا ابتلينا) و المقصود بالعجم الفرس والروم الاتراك والعراقيين مبتلين بينهم.وما اشبه اليوم بالبارحة مع بعض التغيير في الاسماء والمراتب وحيثيات الدعاوى والنوايا.
وأستمر ذلك الهبوط الحضاري حتى العام 1748م حينما قفز المماليك (الكرجيه) لحكم بغداد، منتهزين ضعف العثمانيين.وأنتهى الأمر بمجزرة الانكشارية وطاعون وفيضان داود باشا عام 1831م. ولم يبقي من سكان بغداد الا النذر اليسير حتى وصل مادون الاثنى عشر الف نسمة وكادت ان تدرس وتتحول الى اطلال عفى عليها الزمن لولا قدرها بالبقاء والاستمرار كالعنقاء تنهض من جديد.
 العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418c4gif2
هبطت بغداد الى درك أسفل في ملكات الحضارة، ولم تعد تلك المدينة مضرب الامثال،وطواها الزمن ونستها الايام. شهدت الفترة التي اعقبت احتلال الاتراك العثمانيين للعراق حركة هدم وخراب معماري.و بعدما اهتم الولاة العثمانيين بجمع الاتاوات من الناس بالغصب او الزور ودعاهم ورعهم هذا الى التكفير عما يلحق بهم من سيئات عن طريق بناء المساجد نفاقا، مظهرين بانهم اصحاب تقوى وصلاح.
وأستمر الحال هبوطا ثلاثة قرون ولد فيها 28 جيل من العراقيين الذين لم يتطبعوا مع سلطة الترك وثقافتها لأسباب إجتماعية ومذهبية.وقد انعكست ذلك جليا في العمارة حينما لم تتاثر خلال تلك الحقبة بعمارة الترك مع عدم اغفال الجانب البيئي،و كون العمارة التركية تنتمي الى مدارس العمارة الاسلامية (المتوسطية)، حالها مثل المدرسة المصرية -الشامية التي استطاعت التداخل والامتزاج معها بيسر، بالرغم من ان العمارة التركية قد نسخت من العمارة البيزنطية ولاسيما في فترة مابعد فتح القسطنطينية عام 1453 م،والتي جسدها بحذق ومهارة المعمار سنان، والذي تسنى له ان يبنى في بغداد قبة ضريح الشيخ عبد القادر الكيلاني بطلب من السلطان سليمان القانونى عام 1534 م. لكن لم يترك هذا التدخل ولو من احد اساطين العمارة ادنى تاثير في عمارة العراق وبغداد بالرغم من انه وائم موهبته مع خصوصية العمارة العراقية و استعمل الآجر بحذر في بناء القبة المفلطحة البيزنطية كونه وارد من مدرسة متمرسة على الحجر. وعلى عكس ما حدث من تاثير تركي في عمائر بعض المدارس العربية،فان العمارة العراقية قد ازدادت تشبثا بالعلاقة المشيمة العتيقة مع عمارة إيران  بسبب كثير من شجون الإقتباسات الفارسية من العمائر العراقية من الجذر البابلي والرافدي عموما.
وقد ترك الأتراك مجموعة من الشواهد والقبور والمساجد وعدد من الترميمات لبعض المعالم الدينية والملاحظ ان كلها بنيت على الطراز المحلي.ومن اهم المساجد من تلك الفترة :
جامع جديد حسن ويقع مقابل سراى الحكومة وامر ببناءه السلطان سليمان القانوني والذي كان يؤمه المرحوم الملك غازي والذي رممه عام 1933م ثم رمم في العهد الجمهوري.
جامع حسين باشا (السلاحدار) الذي بناه هذا الوالي في محلة الحيدرخانه عام 1639م ومسجد(بابا كركر) ومعناة الاب النوراني والذي بني على قبر احد شيوخ الطريقة الصوفية البكداشية التي كانت الطريقة الرسمية للجنود الانكشارية عام 1670م في محلة الميدان قرب سوق الهرج.
جامع القبلانية الذي بناه الوالي قبلان
مصطفى باشا عام1680 م

جامع الوزير الواقع في سوق السراي في رأس جسر الشهداء الذي جددت عمارته عام 1722م
جامع الاوزبك الواقع داخل وزارة الدفاع المبني سنة 1680م
جامع الخاصكي الذي بناه الوالي محمد باشا الخاصكي عام 1656م المعروف بمحرابه الثمين الذي اجمع المختصين بكونة ماخوذا من مسجد بغداد المدورة الذي شاده ابوجعفر المنصور والذي يكون من ابداع صناع شاميين ويعود الى فترة مبكرة من الفن الاسلامي.
جامع المرادية وبناه مراد باشا والي بغداد عام 1570م ويقع في محلة الميدان.
جامع القلعة ويقع داخل اسوار وزارة الدفاع العروفة بالقلعة لدى الاتراك وبني عام 1638م.
جامع الحمدية في الميدان والذي بناه الوالي احمد باشا الكهية عام 1780.
جامع الحيدرخانه بنى هذا المسجد داود باشا اخر الولاة المماليك عام 1826م.
ومجموعة اخرى من المساجد مثل جامع عادلة خاتون وجامع نازندة خاتون وجامع براثا ومسجد الشيخ الصوفي جنيد المتوفي عام 856م وجامع الشيخ صندل وجامع الكهية وجامع النعمانية وغيرها.
اما البنايات المدنية فاهمها سراي بغداد والتي انشأها الوالي المملوكي سليمان باشا الكبير عام 1802م على انقاض عدة بنايات قديمة والذي زاد عليه داود باشا عام 1820م.أما القشلة المحاذية لها فهي من بناء نامق باشا عام 1852 والقشلة لفظة تركية اصلها (قاشلاغ) و تعني (اشتى) حيث كان يسكنها الجنود في الشتاء ولا يخرجون للحرب. وقد زاد عليها مدحت باشا عام 1870 م طابق علوي من انقاض سور بغداد الشرقية الذي هدمه وحرم بغداد من احدى معالمها الجميلة.
تبلغ مساحة الارض التي يشغلها السراي والقشلة 250×50م وقد انشأ في ساحتها الداخلية برج وضع في اعلاه ساعة ارتفاعه 23م ومبني من الآجر والجص.والطراز العام لهذا المجمع ومن ضمنه البوابة هو هجين بين الطراز العراقي المدجن مع عناصر من العمارة التركية ذي الاصول البيزنطية الصريحة مثل الفتحات في اعلى القبب وبعض من المعالجات الفنية نضراً لكون غالبية اجزاء البناء تمت على يد عمال عراقيين.
وعلى العموم وبالرغم من قرب الوقت الذي خرجوا فيه التراك من العراق فان الاغراض البنائية المحصورة في المعالم الدينية وغياب المدني والخدمي منها يؤكد حالة التخلف والانحطاط ولاسيما عدم مجود بناءات ذو حذلقة معمارية وافكار جديدة تدعوا للتوقف عندها مثلما وجدناه قبلها في خان مرجان.
المرحلة الخامسة (الأزمنة الحديثة)

 العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418y10c83
خارطة عامة لبغداد ايام البعث
لقد دخلت بغداد القرن العشرين أسيرة مهمشة ومنفى لولاة الترك حيث أطلقوا عليها (سيبيريا العثمانية). وتبدأ مرحلة جديدة بعيد الحرب العالمية الاولى حينما دخل الانكليز وخرج الاتراك الذين جثموا اربعة قرون على صدر العراق. ولم يندم على خروجهم الا القليل،واليوم التاريخ يعيد نفسه. ولدى تصفيحنا لمصير بغداد يجدر أن ننقل نصين صحفيين  واردين من أواخر المرحلة الرابعة، نجد شهادتين مصريتين إحداها تعود للعام 1908 نشرت في مجلة (المنار) عنوانها (كلمات عن العراق وأهله)، يقول فيها كاتبها (العراق ولا ازيدك علما من أفضل الأقطار تربة،وطيبة هواء وعذوبة ماء،وبه أنهار عظيمة كدجلة والفرات...غير أن أكثره خراب،ينعق فيه البوم والغراب)،والأخرى  كتبها إبراهيم حلمي في مجلة (لغة العرب) في عدد حزيران 1912 خلال مقال بعنوان (العراق) جاء فيه (كلما سرحت طرفي في تاريخ هذه البلاد،أخذت أفتش عن تلك المعاهد والمنتديات،وتلك المدارس والكليات، وتلك المعالم والمستشفيات،لأجد فيها الآثار قائمة على جرف هار كالمستنصرية،وقد أصبح قسم منها دار مكس، وآخر مطبخا للأكلين،وشطرا منه شرب قهوة للبطالين،و أهل الفراغ، فيا لخجل العراق والعراقيين).
وكان عمران بغداد أكثف في الصوب الغربي (الرصافة) منه في شرقها (الكرخ) الذي يربطهما جسر كان حتى زمان قريب يطوف فوق زوارق خشبية مثبت على تخوم «سراي الحكومة» أو القشلة، عابرا الى الكرخ في موضع يدعى اليوم «ساحة الشهداء».
ولم يكن جهل الناس بتاريخها، وحده الذي قض مضاجعها بقدر ما كان للولاة الأتراك من نزوات «حضارية» حيث ترد لنا أسماء ثلاثة ولاة هم عبد الوهاب باشا الذي حكم عامي 1904 ـ 1905 وفكر بفتح شارع أو جادة مستقيمة (شوصة) وسط المدينة التاريخية في الرصافة يربط بين صراي الحكومة ومحلة رأس القرية، ليتسنى له السيطرة على القلاقل التي كان يثيرها تمرد أهل الحي الدائم. وكان هذا بداية مشروع يعنف المدينة القديمة ويبدأ بسلسلة من الكوارث التخطيطية توجت بما أطلق عليه فيما بعد اسم «شارع الرشيد» الذي يمكن اعتبار الوالي ناظم باشا «الكرجي» الذي حكم بين عامي 1910 ـ 1911 هو من وسعه ونفخ فيه روح «العصرية»، وأطلق عليه في حينه شارع ناظم (ناظم جادة سي). ثم كانت للأحداث التي شهدتها السلطنة العثمانية وصعود نجم أصحاب «المشروطية» لم تدع أحد الولاة الاستمرار في خوض غمار إضافة شيء للشارع حتى حل خليل باشا الذي حكم خلال عامي 1916-1917 في الحرب الأولى، وشهد سقوط بغداد بيد القوات البريطانية في الساعة الحادية عشر من صباح يوم 11 مارس (آذار) 1917، وبداية مرحلة جديدة في تاريخها. لقد مد ووسع خليل باشا ذلك الشارع ليصل الى بعض محلات المتعة والمجون التي كان يؤمها في عمق بغداد، ورام الخلود المتزامن مع تلك النزوة، فأطلق على ذلك الشارع اسم (خليل جادة سي).
و منذ اعلان الدولة العراقية عام 1921 بدأ بتكملة ماشرع به بعض الولاة الأتراك المتأخرين وإبتدائا من مدحت باشا عام 1869 حتى خليل باشا. ولم يجد الانكليز وصفة طبية سريعة لعلة بغداد المستعصية، وتركوا الباب واسعا امام السلطات المحلية للتصرف بالعمران،ولاسيما الموظفين الوافدين مع الملك فيصل الأول،وكلهم لم يكونوا من أهل بغداد، مثل أمناء بلديتها: أرشد العمري وحسام الدين جمعة ورهط الوزراء المستوردين.
 العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418fnpak1
ولم يتلقف ذهن القادمين من الادارات التركية فكرة إنشاء توسعات للمدينة بعيدا أو على نطاق المركز التاريخي لها كونها لم تهمهم من الأساس،وأعتبروها غنيمة يثرون منها ما بقي لهم من أيام فيها. وأستشرى الفساد التنظيمي للمدينة ونذكر كم السرقات التي قام بها أرشد العمري،حينما وسع شارع الرشيد مثلا. وجدير بالذكر أن ننوه الى النزاع الذي جرى بين العمري المتخرج من المهندس خانة في اسطنبول وبين الخاتون (كرترد بل 1869-1926) على خلفية قرار اتخذه العمري بصفته (أمين) للعاصمة على هدم جامع ومدرسة الخواجة مرجان. وقد رفضت الخاتون (الأجنبية) نزق أرشد العمري (العراقي)، ودخلت في سجالضده. ولم يثنه عن مرامه إلا وفاتها المفاجئة عام 1926، بعدما أقلقه اهتمامها ورعايتها لآثار بابل وسامراء وقصر الأخيضر. لقد كانت(رحمها الله)  أكثر حمية وأمانة على بغداد من أمنائها.
وعندما تولى أرشد العمري أمانة العاصمة عام 1944 هدم أجمل عمائر بغداد، ليعدل استقامة شارع الرشيد ويوسعه وليبنى محلها بناية الدفتردار وبنك الرافدين التي جاءت نشازا حقق العمري من جراءه أرباحا وصفقات ملتوية. وقد انعكست مهزلة فتح شارع الرشيد والرواق الزائف الذي لصق على جانبيه وبالا على بغداد القرن العشرين، بحيث فتح الباب على مصراعيه لمن رام خراب بغداد تباعا.
فشقت الطرق الواسعة الموازية لشارع الرشيد كما هو شارع الخلفاء،ثم الكفاح على أنقاظ البيوت العتيقة التي تحمل عبق الماضي، ولم يجد في عبقريتهم نذرا يرشدهم للتوسع على أطراف المدينة القديمة وخارجها في بطحاء  مسيروا الحقبة الملكية الأرض الشاسعة الخلاء المحيطة لتنفيذ مآربهم  وترك حق العيش للمدينة التاريخية، كما هو الحال ما فعله المخططون الغربيون في مدن شمال أفريقيا مثل فاس والرباط وطرابلس وتونس وغيرها. وفي التوسعات التي بدأت إبان عهد محمد علي في مدينة القاهرة والتي لم تمس قلبها التاريخي فاحتفظت بماضيها الثري. و الحال نفسه يتكرر في دلهي الجديدة عاصمة الهند على تخوم (دلهي) الإسلامية.
وبدأت مرحلة إنشاء أحياء جديدة طرفية في بغداد بعيد الحرب الثانية،وأنشأ حي بغداد الجديدة مثلاعلى يد مخطط مصري بشكل تجريبي، ثم أنشا مجلس الإعمار في بواكير الخمسينات الذي أخذ على عاتقه توسعة المدينة وارساء بنيتها التحتيه. ثم جرت عمليات ترقيعية لتوسعتها،حتى جاء مشروع مخطط بغداد الحديث على يد اليوناني- الاميركي دوكسياديس والذي نشط في تنفيذ خطته إبان سلطة الجمهورية عام 1958 حينما أراد أن يبعد التوسعة عن النواة التاريخية للمدينة، وشق قناة الجيش في وتر مستقيم بين شمال بغداد على دجلة ونهر ديالي قبل التقائهما جنوب بغداد، ليتسنى عبر ذلك نقل الاحياء الجديدة بعيدا عن المركز التاريخي.وجاء فتح قناة الجيش وإحياء نهر الخير في الكرخ  بمبرر حب البغداديين الجم للمكوث والعيش قريبا من الانهار. وأهتم بحي الثورة تحديدا، الذي أريد منه أن يلغي بها الأحياء الهامشية البائسة على أطراف بغداد. وقد بذل الزعيم المرحوم عبدالكريم قاسم جهدا كبيرا في ذلك، لكن خطته توقفت بعدما حلت سلطة البعث بعد إنقلاب 8 شباط 1963.
وشهدت المدينة عنفا جديدا ضد تراثها. فاستبيحت أحياء بغداد المركزية في الكرخ والرصافة بحجج واهية كانت مخادعة لسكانها الذين أغووا بتركها أو أجبروا عليه، وكان منهم من رفض تركها فاخرجوا مكرهين لمقتضيات (المصلحة العامة) والوعد بترميمها وإعادتها إليهم.ويذكر سكان الكرخ أن ثمة خان كبير كان يقع على تخوم ساحة الشهداء هدمه طاهر يحيى رئيس الوزراء في حقبة عارف، في
أواسط الستينات ليستولي على أرضه.

 
العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_1418q4bsm2
وهدمت الديار في أحياء الكرخ والشواكة والصالحية وباب الشيخ والشيخ عمر والنهضة والسفينة في الاعظمية و الكاظمية. وأرسي الأساس لبنايات سكنية وإدارية تخدم السلطة العراقية. وكانت عمارات خرسانية قامت على تخطيطها وتنفيذها شركات أوروبية وكورية ويابانية كما في شارع حيفا في الكرخ، لما يتمتع به من مركزية الموقع ومن منزلة في تاريخ المدينة و قربه من مركز السلطة في أحياء كرادة مريم والجادرية. وهكذا خطط لشارع حيفا أن يكون طوقا سكنيا كالحصن، الهدف من ورائه الأمن والأمان للسلطة و(القائد الضرورة) وقصوره وإداراته. ثم تكرس ذلك حينما سكنت تلك الأحياء الفئة المقربة للسلطة والحاشية والحمايات العسكرية وإدارات المخابرات، وكل المنعمين الجدد في بغداد. وشهدت الأيام على هذا المقصد بعد السقوط المدوي لسلطة البعث عام 2003،ومكوث تجمعات من الموالين لسلطة البعث في تلك التجمعات السكنية الدخيلة.
لقد حكم بغداد خلال عمرها البالغ حوالي1242 عاما  210 حاكم بين خليفة ووال وملك ورئيس، كان الخليفة العباسي الناصر لدين الله اطولهم مدة حكم، حيث بلغت 47عاما من عام 1180 ولغاية عام 1225، اما اقصر فترة حكم فكانت خلافة المرتضي بالله العباسي (ابن المعتز) بمدة يوم واحد فقط قبل ان يقتلة المقتدر بالله عام 909. ويرجع الفضل في كتابة تاريخ بغداد الى اليعقوبي والخطيب.وجد الاول هو جعفر بن وهب امين السر للاميرمحمد بن صالح بن الخليفة المامون الذي ابتدا تدوين اخبار بغداد منذ عام 891م ذاكراً المئة والثلاثون سنة الماضية.أما الخطيب فهو ابو بكر احمد بن ثابت الخطيب الذي عاش بين (1002-1071م).

 العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_14187c9i41
وبعيدا عن العمران وتقلبات السياسة فمن ميزات بغداد أنها مستوعبة للوافدين والمهاجرين إليها،وثمة عاطفة تربط كل من يلجها أو يمكث بها مع أهلها و نهرها ومائها ونخيلها وتراثها.فقد أستوعبت بغداد الاعدادا الكبيرة من الطموحين الى علمها و رخائها (البغدده)، حتى تزايدت اعداد اهلها ،وفاقت اليوم الملايين السته.
ليس في بغداد اليوم سوى ثمان معالم معمارية من الحقب التاريخية الثانية والثالثة من عمرها،وهي تحتاج لعمليات بحث وترميم للكثير من معالمها حتى المتأخرة منها. ولدينا في تلك الشجون أمل بان تنشط حركة تنقيبية عن بغداد المدورة في منطقة بساتين العطيفية واخراجها للنور،بالإعتماد على البحوث التي تركها لنا الاساتذة (احمد سوسة ومصطفى جواد وهرزفلد وكريزويل) ونأمل أن يعاد بناء المدينة المدورة في نفس الموضع أو على تخومه. كل هذا يحتاج الى مؤزرة كل محب لهذه المدينة الرائعة.وها هي بغداد التي ملئت الدنيا فضلا وأغدقت على البشرية جودا وعلما،تنتظر منا عرفانا وإعادة بعضا من جميلها






لاهميه الموضوع وجمال معلوماته
عن قلب الامه الجريح
اللهم فرج كرب عراقنا
احلي ايام حياتي قضيتها في بغداد العزه

مدينه السلام
نسخه من الموضوع pdf

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
العراق هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ
محمد العابد
محمد العابد
صاجب الموقع
صاجب الموقع

المهنـــــــــــه : العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_257n5lk1
المزاج : العراق  هبة النهرين حتمية الجغرافيا والتاريخ. . P_257241l1
التعارف : آحلي منتدي
الجنسيه : مصر
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 3559
تاريخ التسجيل : 19/09/2016
العمر : 65
الموقع : http://sanko.alhamuntada.com/forum

http://sanko.alhamuntada.com/forum

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى